مساحة من الوهم تعشعش في عقل الاحتلال: ما بين ملعقة جلبوع وقناديل الاقصى قصة عشق لا تنتهي.
مساحة من الوهم تعشعش في عقل الاحتلال: ما بين ملعقة جلبوع وقناديل الاقصى قصة عشق لا تنتهي.
بقلم: مروان سلطان — فلسطين 🇵🇸
17.3.2026
https://marwansultan.blogspot.com/2026/03/blog-post_17.html
Gov.pal@outlook.com
—————————————————
على مدى عمر مضى من احتلال فلسطين، دأب الاحتلال على محاولة ترويض الشعب الفلسطيني على فكرة " التعايش تحت الاحتلال" اعتقدَ أنه قد يدوم للأبد؛ فصاغ قراراته ورسم سياساته ليزرع في عقول الناس تلك "البديهية" التي تحقق مراده في عملية قرصنة ممنهجة لكل ما هو فلسطيني، مادياً ومعنوياً. حتى المأكولات والمشروبات والأزياء، حاول اقتناصها وتحويرها بادعاء أنها جزء من تاريخ عميق يمتد لآلاف السنين على هذه الأرض. إن هذا "الوهم" يصطدم دائماً بحقيقة أن الهوية ليست مجرد قشور، بل هي ذاكرة عصية على المحو، تنتقل في الوعي الفطري من جيل إلى جيل، مما يجعل كل محاولات القرصنة الثقافية تتحطم أمام جوهر الانتماء.
إن المنهجية التي اتبعها في إدارة الصراع هي محاولة فرض القبول بالاحتلال سيداً حصرياً على الأرض الفلسطينية، وادارة انقسام داخلي بغيض ، ولم يكتفِ بذلك، بل اتخذ من العمق العربي وسيلة لتكريس تلك القناعات عبر بوابة التطبيع، أو نشر ما يسمى بـ "التفاهمات الإبراهيمية" -نسبة إلى سيدنا إبراهيم الخليل جد الأنبياء عليهم السلام- ولكن "رواية السماء" دحضت هذه المزاعم من جذورها لقوله تعالى: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا". إن محاولة تحويل الأساطير إلى خرائط سياسية هي ذروة الوهم؛ فالأرض التي يتحدثون عنها ليست فراغاً جغرافياً، بل هي جغرافيا مثقلة بالتاريخ الكنعاني والعربي، ترفض الغريب بفطرتها كما يرفض الجسد العضو الدخيل.
لقد حاول الاحتلال تصدير "فقدان الأمل" كمعتقد للنيل من صمود الفلسطيني، وسوّق روايته بأن هذه الأرض هي أرض الآباء والأجداد (لهم)، وبدأ يروج لفكرة أن الدولة العبرية يمتد نطاقها من النيل إلى الفرات، وطرح ذلك علناً في حلم توسعي لضم ما يمكن الوصول إليه من أراضي الدول المجاورة. لكن النضال الفلسطيني لم يتوقف منذ أن وطئ الاحتلال أرض فلسطين، وشهدت وتيرة هذا النضال صولات وجولات تهدف دوماً إلى استعادة الحرية والاستقلال.
تظل قصة أسرى سجن جلبوع الذين حفروا نفقاً بملعقة ليروا شمس الحرية -ولو ليومين- من أهم الروايات الثورية في التاريخ الفلسطيني المعاصر؛ بل وحتى العالمي فهي تحاكي في رمزيتها انتصار الإرادة على المادة. إن "ملعقة جلبوع" لم تكن أداة للحفر فحسب، بل كانت أداة لهدم مفهوم "الأمن المطلق"، وأثبتت أن الفجوة التقنية الهائلة تتقلص إلى الصفر حينما يتسلح الضحية بالأمل. فالأمل هو السبيل الوحيد ليستمر الشعب الفلسطيني في خطاه، وتجنيد كل الطاقات -مهما صغرت- له مكانته في مسيرة التحرر الوطني.
إن قناديل الأقصى والحرم الإبراهيمي، مهما جار عليها الزمان بالإغلاق والحصار، ستظل منارات مشتعلة تضيء للعالمين العربي والإسلامي. لن تغير السياسات القمعية هذا الإرث، فتاريخٌ بهذا العمق لا تمحوه إبادة جيل أو جيلين. هنا، يثبت الواقع أن الكبار يورثون المفاتيح، والصغار يتقنون فتح الأبواب؛ فبفطرتهم يكملون المسير، وكأن ولادة كل طفل جديد هي فعل مقاومة بامتياز.
بالأمس، وفي فصل جديد من زمن الإبادة، أقدم الاحتلال في "طمون" على إبادة عائلة بأكملها، وكما عهدنا في كل الجرائم المشابهة، تخرج الرواية الجاهزة بأن "الجنود بريئون" وأن هناك "تهديداً". عن أي تهديد يتحدثون وعائلة بأمنها تستعد لاستقبال عيد الفطر المجيد؟ إنها محاولة يائسة لسرقة الأمل في الحياة الكريمة.
تشير لنا رواية الكاتب إرنست همنغواي الشهيرة "الشيخ والبحر"، إلى أن الإنسان رغم كل الصعوبات يظل متمسكاً بالأمل، فالإنسان لا يحيا بالخبز وحده. وكما قال همنغواي: "الإنسان لم يُخلق للهزيمة.. قد يُدمر الإنسان، لكنه لا يُهزم". والأمل لدينا نحو الحرية لا يخبو أبداً؛ فبالرغم من أن "أسماك القرش" نالت من صيد الشيخ، إلا أنه عاش بالأمل ليحظى بصيد جديد. واليوم الجديد آتٍ لا محالة، مهما اشتد خطر أسماك القرش التي تحيط بفلسطين وشعبها.

تعليقات
إرسال تعليق