“البقاء للأقوى: كيف يُعاد تسويق العنف كقانون للتاريخ ، رؤية نتنياهو في فرض النفوذ بالقوة وأحلام التوسع”
“البقاء للأقوى: كيف يُعاد تسويق العنف كقانون للتاريخ ، رؤية نتنياهو في فرض النفوذ بالقوة وأحلام التوسع”
بقلم: الكاتب مروان سلطان - فلسطين 🇵🇸
21 آذار 2026
—————————————————-
أثارت تصريحات رئيس وزراء الاحتلال الاشمئزاز والنفور في مختلف أرجاء العالم، وخاصة في أوساط النشطاء وعبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ليس فقط لبشاعتها، بل لكونها محاولة لنشر ثقافة " شريعة الغابة " واستحضار الحروب كأداة وحيدة لفرض الإرادات. وهذه سياسة تمثلت في الحالة التي تخوض غمارها حكومة الاحتلال على عدة جبهات مختلفة. نتنياهو في خطابه الأخير كان قد قدم خطابا يستحضر في مضمونه ما يُنسب إلى المؤرخ “ويل دورانت” من أفكار تقول:
“لا يكفي أن تكون أخلاقيًا، ولا يكفي أن تكون عادلًا؛ فالتاريخ يثبت -للأسف- أن المسيح عليه السلام لم يحقق تفوقاً على جنكيز خان؛ فإذا كنت قوياً، عديم الرحمة، وواسع النفوذ بما يكفي، فإن الشر سوف يتغلب على الخير، والعدوانية ستغلب الاعتدال. لذا، على الديمقراطيات التي تقودها أمريكا أن تهاجم العدو قبل فوات الأوان.”
إن هذا الاستحضار يكشف عن نزعة “عدمية” مخيفة، حيث يحاول نتنياهو “خصخصة الأخلاق”، أي تحويلها من قيمة إنسانية عامة تحكم سلوك الدول، إلى أداة خاضعة لمصلحة القوة وتبرير أفعالها. وقد شعر كثير من المتابعين بالتقزز من هذه المقاربة؛ لما توحي به من رغبة في إعادة البشرية إلى منطق البطش الذي يمثله “جنكيز خان”، القائم على التدمير الممنهج وإلغاء الآخر. وتناسى نتنياهو ان المسيح عليه السلام اتى بمقاربة تشير الى المحبة والسلام والعدل.
المفارقة هنا تكمن في خلط الاوراق و”القياس الفاسد” الذي عقده بين السيد المسيح وجنكيز خان. إن إقحام اسم المسيح -عليه السلام- في خطاب حربي هو استغلال ديني رخيص لتبرير الجرائم؛ فالمسيح يمثل “القوة الأخلاقية” التي انتصرت عبر بقائها في وجدان البشرية واستمرار تأثيرها القيمي عبر الزمن، بينما يمثل جنكيز خان “القوة المادية” العابرة التي انتهت بانتهاء سطوة السيف. وفي تلك المقاربة فإن نتنياهو يختار “اللحظة” المتمثلة في التفوق العسكري الآني، ويغفل “التاريخ” الذي تحكمه استمرارية القيم والحقوق؛ فبينما دمر المغول الحضارات وألقوا بالكتب في الأنهار، كانت الرسالات السماوية تنشر القيم وتبني الإنسان وتعمر الأرض.
ومن هذا الإطار النظري، يمكن فهم ما نراه اليوم في غزة، وما يجري في الضفة الغربية ولبنان وسوريا؛ إذ لا يبدو الأمر مجرد عمليات عسكرية معزولة، بل تطبيقًا ميدانيًا لمنطق “البقاء للأقوى” عبر ما يُعرف باستراتيجية “الأرض المحروقة”، التي تقوم على التدمير الواسع للبنية التحتية واستهداف كل ما يتصل بمقومات الحياة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى حجم هذا التوجه؛ إذ تجاوز عدد الضحايا في قطاع غزة عشرات الآلاف، غالبيتهم من المدنيين، بينهم نسبة مرتفعة من الأطفال والنساء، في حين تعرضت مساحات واسعة من البنية التحتية للتدمير، بما في ذلك المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. كما أُجبر مئات الآلاف على النزوح الداخلي في ظروف إنسانية بالغة القسوة، في مشهد يعكس استهدافًا ممنهجًا لمقومات الحياة، لا مجرد مواجهات عسكرية تقليدية.
وفي الضفة الغربية، يتجلى هذا النهج من خلال تصاعد وتيرة الاستيطان، وتزايد اعتداءات المستوطنين، إلى جانب الإجراءات الميدانية التي تعيد تشكيل الواقع الجغرافي والديمغرافي بشكل تدريجي.
هذه القوة المفرطة التي يتباهى بها الاحتلال ليست دليلاً على المنعة، بل تعكس حالة من الإفلاس السياسي؛ فعندما يعجز الفاعل السياسي عن تقديم أفق للحل أو تصور للعدالة، يلجأ إلى القوة العارية كبديل عن السياسة، مستحضرًا نموذج الهيمنة بالقوة للهروب من استحقاقات الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، او هروبا من استحقاقات داخلية او دولية.
وهو ما يتقاطع مع حالة الجمود التي يشهدها المسار السياسي، في ظل غياب أي أفق حقيقي لتسوية عادلة، واستمرار تجاهل قرارات الشرعية الدولية التي أكدت مرارًا على حقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يعزز من حضور الخيار العسكري بوصفه البديل المطروح، لا نتيجة قوة، بل نتيجة غياب البدائل. اضف الى المقاربات الاخرى التي تهز وجوده السياسي في اسرائيل.
وفي قراءة أعمق لهذه السياسة المجردة من المبادئ، نستذكر ما عُرف بفضيحة “إيران غيت” في ثمانينيات القرن الماضي، حين جرى -في سياق صفقات معقدة- تزويد إيران بالسلاح رغم الخطاب المعلن المعادي لها آنذاك. استحضار هذه الواقعة لا يأتي من باب السرد التاريخي، بل لإبراز نمط متكرر في توظيف الصراعات؛ حيث يتراجع الخطاب الأخلاقي أمام منطق المصالح، وتصبح “الغاية تبرر الوسيلة” قاعدة تحكم السلوك السياسي. وفي هذا السياق، يندرج مفهوم “الفوضى الخلاقة” بوصفه نهجًا يقوم على إعادة تشكيل المنطقة عبر تفكيك الاستقرار وإعادة إنتاجه بما يخدم موازين القوة. وفي هذه الحالة تجد ان تلك المفارقة دليل واضح على الخطاب الاسرائيلي باتجاه السياسات الاقليمية، وهي ليست التداخلات الفريدة في المنطقة ، فعند البحث والتدقيق تجد ان هناك تداخلات اخرى ، على سبيل المثال في السودان ، ليبيا ، اريتريا وغيرهم اينما تحقق الاهداف للاستراتيجية العليا لدولة اسرائيل.
إن التاريخ لا يُقاس بلحظة تفوق عابر، بل بما يتركه من أثر في وجدان الإنسانية ومسارها. وبينما تراهن بعض القوى على منطق الغلبة والقوة المجردة، يثبت الواقع أن هذا النهج، مهما بدا صلبًا، يحمل في داخله عوامل تآكله. فالقوة التي تنفصل عن الأخلاق لا تؤسس لاستقرار، بل تعيد إنتاج الصراع بأشكال أكثر قسوة. وفي نهاية المطاف، تبقى القيم -لا أدوات البطش- هي ما يمنح الوجود معناه، ويحدد أي الروايات ستبقى وأيها سيتلاشى.
ويشهد التاريخ أن الدول التي تقوم على الظلم تحمل في داخلها أسباب أفولها، “وتلك الايام نداولها بين الناس”، وأن نهايتها، مهما تأخرت، تظل أقرب مما تبدو، “وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت”

تعليقات
إرسال تعليق