فلسطين: الصخرة التي تحمي خارطة العرب
فلسطين: الصخرة التي تحمي خارطة العرب.
بقلم: مروان سلطان - فلسطين
25.2.2026
بالرغم من المآسي والنكبة التي تلتها نكبات، وبالرغم من قهر السجون والسجانين، وضنك العيش وكل ما تسبب به الاحتلال؛ فإن الفلسطيني ما زال يقف صامداً شامخاً، لا يرى في معركة وجوده على هذه الأرض أنها تقف عند هذا الحد؛ إذ يدرك في مكنوناته أنه يقف في مقدمة المدافعين عن الأمة العربية، وأن حدود أمنه تمتد من المحيط الأطلسي غرباً إلى جبال طوروس شرقاً، وأن أمنه القومي جزءٌ لا يتجزأ من الأمن القومي العربي.
هذه حقيقة وليست خيالاً؛ فالفلسطيني الذي يصارع الاستعمار ويخوض معركة الصمود والتصدي على أرض وطنه، بات يدرك تماماً منذ اندلاع هذه الحرب الاستعمارية الإحلالية أن هدف المستعمر هو الوطن العربي بمجمله، وليس فلسطين فحسب. ولا نقول ذلك جزافاً، بل إن للاحتلال ثوابت أخفاها لأجيال، كانت تُرسَم وتُخطُّ في العقيدة الإسرائيلية التي ثبُتت في "العلم" فقد وضعت نجمة داود بين خطين ازرقين قيل انهم نهري النيل والفرات ،وفي "النشيد القومي": حلم "إسرائيل الكبرى".
لقد خرج من الصناديق المغلقة إلى العلن ما يرونه حلماً في "إسرائيل الكبرى"، وأيدتهم في تلك التوجهات الولايات المتحدة الأمريكية على لسان الرئيس ترامب حين تحدث عن "صغر حجم دولة إسرائيل" واتساع جغرافية الدول المجاورة. كما أن أحاديث الحزب الحاكم اليوم ترى أن حدود إسرائيل هي ما رُسم على علمها؛ وهذه هي معتقداتهم التلمودية، إذ يعتبرون أن كل أرض وطئتها أقدام أنبيائهم هي جزء من حلم دولتهم المنشودة.
لقد بدأ مشروع "إسرائيل الكبرى" منذ اللحظة الأولى لإعلان دولتهم، عندما صرح "بن غوريون" بأن مؤسسي الدولة وصلوا بها إلى حدود عام 1948 (أو ما قبل 1967)، ويمكن للأجيال القادمة أن تكمل التوسع في حدودها. وعند احتلال ما تبقى من فلسطين في حرب 1967 وأراضٍ عربية أخرى، رفض الإسرائيليون التوقف عن الحرب ما دام في مقدورهم الوصول إلى أراضٍ جديدة.
ثم وضع الإسرائيليون خطوتهم الثانية في التوسع عبر استراتيجية "المفاوضات المنفردة" مع كل دولة عربية على حدة؛ إذ استطاعت إسرائيل تفتيت الموقف العربي الموحد الذي تجلى بعد هزيمة 1967، ونجحت في توقيع اتفاقيات منفردة بديلة عن الموقف الجمعي الذي كان كفيلاً بضمان الحد الأدنى من الحقوق العربية واستعادتها.
إن الحرب التي اشتعلت بعد السابع من أكتوبر، في تقديري، قامت من أجل تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى". ولا يهم هنا من بدأها أو خطط لها، ولكن للتاريخ أقول: إن إسرائيل كانت تستعد لها وتنتظر الذريعة للبدء بها. لقد كانت أشبه بحرب عالمية ثالثة بمشاركة دول متنفذة، وبدت نتائجها واضحة المعالم من خلال ما أفرزته على الجغرافيا والديموغرافيا في فلسطين ولبنان وسوريا، فضلاً عما يدور في الأفق تجاه دول عربية وإسلامية أخرى.
إسرائيل، التي عملت على وضع الفلسطينيين داخل "طنجرة ضغط" وأشعلت النار تحتها، ترى أنها حققت إنجازات على الأرض، أهمها محاولة تصفية القضية الفلسطينية خاصة في تصفية قضية اللاجئين عبر إلغاء التعامل مع مؤسسة "الأونروا"، وهو من أكثر المواضيع مساساً بعمق القضية. وما يعيق طموحاتها حتى الآن هو فشل مشروع التهجير، وسقوط رؤية "الوطن البديل" أو مشروع سيناء. إسرائيل اليوم تريد الحصول على "الجائزة الكبرى" عبر الضم الصامت للضفة الغربية، بينما يسير قطاع غزة نحو المجهول، لكنه في الأفق المنظور بات في قبضة الاحتلال، و"الأكمة وراءها ما وراءها"؛ فما لم يتحقق بالقوة الخشنة قد يُحاولون تحقيقه بالقوة الناعمة.
ومع أننا لا ننكر حجم الإجرام الذي ارتكبه الاحتلال بحق الفلسطينيين، فمن الإنصاف القول إن الفلسطينيين -بصدورهم العارية أمام الهجمة الصهيونية والدعم الغربي اللامتناهي- حققوا إنجازات غاية في الأهمية؛ فقد وضعوا الدولة العبرية في مأزق دولي صعب، وأبقوها في عزلة كبيرة مؤسساتياً وشعبياً وفي أروقة العدالة الدولية.
الفلسطيني ما زال واقفاً شامخاً في وجه هذه التحديات، ولا ينبغي لأحد أن ينتظر سقوطه، بل يجب تعزيز هذا الصمود؛ لأن الفلسطيني هو "ذراع الأمة المتقدم" الذي يمنع استمرار المؤامرة على الأمن القومي العربي. ومن هنا أؤكد: إن سقوط "الحجر الفلسطيني" يعني -بكل ما للكلمة من معنى- أن باقي حجارة البيت العربي ستؤول إلى السقوط.
ختاماً، سيبقى الفلسطيني بصدوره العارية وإرادته الصلبة هو صمام الأمان لهذه الأمة. ورغم اشتداد القوة الغاشمة ومحاولات الضم والتهجير، إلا أن الوعي الفلسطيني قد تجاوز مرحلة الانكسار، وحوّل العزلة الدولية إلى سلاح يطارد الاحتلال في كل محفل. إن الرهان على سقوط الحجر الفلسطيني هو رهان خاسر، لأن هذا الحجر مغروس في جذور التاريخ، وسيبقى الصخرة التي تتحطم عليها أوهام 'إسرائيل الكبرى' وطموحاتها التوسعية.

تعليقات
إرسال تعليق