الحالة العدائية في العالم: نتاج سياسات إلغاء الآخر

 الحالة العدائية في العالم: نتاج سياسات إلغاء الآخر

بقلم: مروان سلطان

فلسطين 🇵🇸

3.2.2026

———————————————————


أثار تصريح السفير الأمريكي في إسرائيل، مايك هاكابي، الذي قال فيه إن من يعادي إسرائيل هو عدو للولايات المتحدة، جملة من التساؤلات حول المنطق السياسي الذي يستند إليه هذا التوصيف، لا من حيث دلالته المباشرة فحسب، بل من حيث ما يغفله من سياق أوسع تحكمه السياسات الإسرائيلية نفسها في المنطقة.


فحالة العداء المتصاعدة تجاه إسرائيل، والتي تُقدَّم على أنها نتيجة استهداف خارجي على أكثر من جبهة منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم، لا يمكن فصلها عن طبيعة السياسات الإسرائيلية العدوانية، التي أسهمت بصورة مباشرة في خلق بيئة من التوتر والكراهية وعدم الاستقرار لدى شعوب المنطقة. فالعداء، في هذا السياق، ليس حالة طارئة ولا موقفا أيديولوجيا مجردا، بل هو نتاج ممارسات وسياسات واقعية تُفرض بالقوة.


وفي هذا الإطار، من المهم التأكيد على أن إقليم الشرق الأوسط، في مجمله، لا يعادي الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يسعى إلى معاداتها. غير أن هذا الإقليم لا يخفي حالة الامتعاض المتزايدة من السياسات الإسرائيلية، لما تحمله من نزعة هيمنة واستعلاء، وتهديد مباشر لأمن واستقرار دول المنطقة. ويظهر هذا الامتعاض بوضوح في التناقض الصارخ بين امتلاك إسرائيل للسلاح النووي خارج أي رقابة دولية، ورفضها القاطع لأي حديث عن حق دول الإقليم في امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، إضافة إلى احتكارها التفوق العسكري وتهديدها المستمر لجيرانها به.


في غزة، تتجلى هذه السياسات بأوضح صورها. فالعدوان الإسرائيلي لا يزال مستمرا، ولا يوجد حتى اللحظة وقف فعلي لإطلاق النار، رغم الإعلان عن مبادرات دولية، كان أبرزها ما طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وليس من المعقول، في ظل هذه المبادرات، أن يُقتل أكثر من سبعة وثلاثين مدنيا عشية فتح معبر رفح، معظمهم من الأطفال والنساء. إن هذا النمط المتكرر من القتل والتدمير لا يعكس التزاما سياسيا بوقف الحرب، بل يعكس استخفافا بالمبادرات الدولية، ويؤكد أن منطق القوة لا يزال هو الحاكم للمشهد.


وقد تحولت الحياة اليومية في غزة إلى معاناة مستمرة بفعل هذه السياسات، التي عبّر عنها مسؤولون إسرائيليون وقادة عسكريون بشكل واضح، حين تحدثوا عن عدم السماح بعودة الحياة الطبيعية إلى القطاع. فغزة تُطرح اليوم كمجال لإعادة هندسة سياسية واقتصادية، لا كمكان صالح للحياة، في ظل استمرار التلويح بمشاريع التهجير، ودفع مشاريع إسرائيلية بعيدة المدى تحت غطاء الحرب. وفي هذا السياق، يبرز مشروع “ريفييرا غزة” كأحد التعبيرات الصريحة عن هذه الرؤية، فيما تبقى إدارة شؤون القطاع رهينة لجان وهيئات لا تمتلك مقومات السيادة أو القدرة على إنهاء المعاناة.


أما في الضفة الغربية، فتتواصل عملية إعادة هندسة ديموغرافية ممنهجة، عبر سياسات استيطانية توسعية تعقّد حياة الفلسطينيين يوما بعد يوم. فخلق الأزمات بات أداة ثابتة في السياسة الإسرائيلية، من خلال إغلاق المعابر، وقرصنة أموال المقاصة، وتصعيد أعمال الهدم، وتوسيع الاستيطان الرعوي، بما يؤدي إلى إنهاك المجتمع الفلسطيني ودفعه نحو مزيد من الهشاشة. وكل ذلك يجري في ظل غياب ضغط دولي فاعل، ورضا أمريكي ضمني، يفتح المجال أمام مزيد من التدهور وتراكم أسباب العداء على الأرض.


ولا يقتصر أثر هذه السياسات على فلسطين وحدها، بل يمتد إلى الإقليم بأسره. فالتدخلات الإسرائيلية في سوريا، ومحاولات زعزعة الاستقرار فيها، والدور غير المباشر في تعقيد الأوضاع في العراق، إضافة إلى التحريض المستمر على إيران، تشكل جميعها حلقات في سلسلة سياسات توسّع دائرة التوتر. ومن الصعب العثور على دولة واحدة في المنطقة تشعر بالرضا عن هذا النهج، فيما تحاول معظم الدول احتواء التوتر خشية انفجار واسع لا يمكن التحكم بنتائجه. غير أن هذا الاحتواء يظل مؤقتا، ويطرح سؤالا مفتوحا: إلى متى؟


إن إفرازات السياسات الإسرائيلية لا تقتصر على احتمالات الصدام العسكري المباشر، بل تتجسد في خسائر أعمق وأشد وطأة، تتمثل في استنزاف الموارد، والكساد الاقتصادي، وارتفاع معدلات البطالة، وإبقاء المنطقة في حالة استنفار دائم. وفي مثل هذه البيئات، تظهر ردود فعل فردية ومتفرقة، لا يمكن فصلها عن السياق العام للاختناق السياسي والاقتصادي، وهي تعبير عن أزمة بنيوية لا عن ظواهر معزولة.


وفي هذا الإطار، يصبح الدور الأمريكي عاملا حاسما. فواشنطن تمتلك القدرة على لجم السياسات الإسرائيلية، إن أرادت، ووقف النزيف المتواصل في علاقات المنطقة. غير أن الحصانة السياسية التي تتمتع بها إسرائيل، دون مساءلة أو محاسبة، أسهمت في خلق حالة عداء لم تعد مقتصرة على المستوى الإقليمي، بل امتدت إلى الرأي العام الدولي، وأضعفت مصداقية الخطاب الغربي حول القانون الدولي وحقوق الإنسان.


لا يمكن إقناع العالم بأن السياسات العدوانية لا تخلّف ردود فعل، ولا يمكن وقف هذا النزيف من طرف واحد. فالسلام الحقيقي لا يُفرض بالقوة، ولا يقوم على إنكار الآخر وحقوقه، بل يتطلب اعترافا متبادلا، وإرادة سياسية تفضي إلى سلام دافئ يحقق الحد الأدنى من العدالة والاستقرار لجميع الأطراف. وقبل كل ذلك، يبقى على إسرائيل أن تواجه سؤال السلام مع نفسها، وأن تدرك أن استمرار الصراع، بهذه الصيغة، قد يقلب الطاولة على الجميع.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

الرئيس ترامب يزيل اللثام عن قضية الجثامين المحتجزة ويجب استغلالها لاعادة دفنها، كرامة للانسانية ، من اجل ان ينام الشهداء قريري العين. بقلم مروان سلطان فلسطين 🇵🇸