الاقتصاد الفلسطيني بين الاضمحلال وبناء الصمود

 الاقتصاد الفلسطيني بين الاضمحلال وبناء الصمود


بقلم: مروان سلطان.              فلسطين 🇵🇸

1.2.2026

——————————————————


المتابع لمجريات الأحداث الدولية يرى أن أحد أهم أسباب الصراعات القائمة في العالم اليوم هو موضوع الاقتصاد. فالاقتصاد يشكل عماد الدول، وضمانة ثباتها ورقيها، وطالما كان الاقتصاد مستقرا وقويا، دل ذلك على مكانة الدولة، وسلامة أنظمتها، وقدرتها على تعزيز النمو الاقتصادي.  الاقتصاد القوي يعني، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، غياب الأزمات المحلية التي تتصدر المشهد المحلي وفي العديد من البلدان. وكلما ارتفع مؤشر النمو الاقتصادي من خلال زيادة الدخل، انعكس ذلك مباشرة على تعزيز الرفاهية، وتحسن الواقع الصحي والاجتماعي داخل المجتمعات.


أما الشعب الفلسطيني، وفي ظل ظروف سياسية واقتصادية معقدة التركيب، فإن مراجعة السياسات الاقتصادية الوطنية ليست خيارا، بل واجب وطني ، في ظل اضمحلال اقتصادي . ويقع على عاتق صناع القرار حماية الاقتصاد المحلي، من خلال تعزيز مفهوم بناء الاقتصاد المقاوم  من اجل تعزيز الصمود للشعب الفلسطيني من خلال دعم المنتج الوطني، ووقف النزيف المستمر للعملة الصعبة الناتج عن سياسات اقتصادية غير متكيفة مع الواقع القائم.


ويُقصد بسياسة الاقتصاد المفتوح في الحالة الفلسطينية ذلك الانفتاح غير المنضبط على الاستيراد، في ظل غياب سياسات حماية حقيقية للمنتج الوطني، إلى جانب الارتباط البنيوي القسري للسوق الفلسطيني بالسوق الإسرائيلي، الأمر الذي يحول الاقتصاد المحلي إلى اقتصاد تابع، ويُبقي عجلة الإنتاج الوطني في حالة شلل شبه دائم، ويحد من قدرته على النمو والاستقلال.


وقد باتت نتائج هذه السياسات جلية في المجتمع الفلسطيني، من خلال الارتفاع المتزايد في نسب البطالة، وضعف حماية المنتج الوطني الفلسطيني، مما انعكس سلبا على القدرة الإنتاجية، وقلص فرص التشغيل، وأثقل كاهل الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة.


إن حماية المنتج الوطني الفلسطيني توفر غطاء مهما لخلق فرص عمل للشبان العاطلين عن العمل، وتمنحهم قدرا من الأمان الاقتصادي في ظل هذه الظروف الصعبة. ويكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في ظل تصدر البطالة والفقر للمشهد الاجتماعي الفلسطيني، وما يرافق ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية متزايدة يعاني منها الشبان الفلسطينيون.


يمتلك القطاع الاقتصادي، وبالتعاون مع الجهات المختصة التي تتبنى سياسات التشغيل، إمكانات حقيقية للتخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني، وذلك من خلال تضافر الجهود لدعم مصادر التشغيل. ويمكن تبني أفكار عملية، من بينها إنشاء ورش ومشاريع صغيرة للخريجين، ودعم العمل المهني المتخصص، واستغلال المهارات الفردية، بما يسهم في إيجاد فرص عمل مستدامة، ويعزز من الاعتماد على القدرات الذاتية.


مع الأسف الشديد، لا يزال القطاع التجاري منفتحا على الاستيراد الخارجي على مصراعيه، دون رؤية واضحة لتعزيز التكامل التجاري الداخلي، أو وقف النزيف الاقتصادي واستنزاف العملة الصعبة. الأمر الذي يستدعي إعادة التفكير في أولوياتنا الاقتصادية، وتعزيز الإنتاج المحلي قبل التفكير في استيراد السلع الخارجية بمختلف أصنافها. والامثلة لا حصر لها وتشمل كافة القطاعات الانتاجية التي تجد لها مواز من المستورد. على سبيل المثال لا الحصر المنتج المحلي من الالبان ، يضاهي المستورد، وتجد اصناف من الالبان المستورد ، وكذلك في النجارة او الحدادة وغيرها ، فمن الذي يدير عملية الاستيراد غير المنضبط!؟.


إن النهج الوطني يجب أن يطفو على السطح في مقاربة القطاع الاقتصادي، في ظل الظروف الصعبة التي يعاني منها الوطن. وإدراك هذا المنحنى من قبل الجهات ذات العلاقة بات أمرا ضروريا، وعدم ترك الأمور على غاربها. فالمسألة اليوم تتعلق بوضع جميع المسؤولين أمام مسؤولياتهم الوطنية للدفع بالعجلة الاقتصادية، وهو ما يتطلب حوارا اقتصاديا وطنيا عميقا، يجمع بين البعدين الاقتصادي والسياسي، للخروج من حالة الاختناق الاقتصادي، والتخفيف من مآلاته القاسية في الوسط الشعبي الفلسطيني.


إن الخروج من حالة الاضمحلال الاقتصادي لا يتحقق عبر إجراءات جزئية أو معالجات ظرفية، بل من خلال بناء اقتصاد مقاوم، يستند إلى تعزيز الإنتاج المحلي، وتوسيع قاعدة التشغيل، وإعادة الاعتبار لدور المجتمع في حماية موارده وقدراته الذاتية. فاقتصاد الصمود ليس اقتصاد مواجهة مباشرة، بل اقتصاد يحد من التبعية، ويتحدى الهيمنة عبر العمل والإنتاج، ويعيد للاقتصاد الوطني وظيفته الأساسية كحاضنة للاستقرار الاجتماعي، وركيزة من ركائز بقاء المجتمع الفلسطيني وقدرته على الصمود في وجه الأزمات المتراكمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

الرئيس ترامب يزيل اللثام عن قضية الجثامين المحتجزة ويجب استغلالها لاعادة دفنها، كرامة للانسانية ، من اجل ان ينام الشهداء قريري العين. بقلم مروان سلطان فلسطين 🇵🇸