مجلس السلام الدولي: ادارة الازمة الفلسطينية ام اعادة انتاج الاحتلال
مجلس السلام الدولي: ادارة الازمة الفلسطينية ام اعادة انتاج الاحتلال
بقلم مروان سلطان
فلسطين 🇵🇸
26.1.2026
——————————————————
العديد من المشاريع الدولية وضعت بشان القضية الفلسطينية، منذ تقسيم فلسطين، ومرورا بمشروع روجرز، ومؤتمر مدريد، واتفاقية اوسلو، واخرى تمت من خلال مقترحات دولية واقليمية متعددة، وانتهاء بمشروع الرئيس ترامب الذي اطلق عليه صفقة القرن في ولايته الاولى، وهناك على ما يبدو مشروع صفقة القرن الثانية غير المعلنة، وهي نسخة معدلة عن الاولى بسبب المعارضة الشديدة للصفقة الاولى والتي يبدو ان ما يسمى بمجلس السلام الدولي احد اركانها الرئيسية.
منذ نشاة القضية الفلسطينية وحتى يومنا هذا، بقيت تدار تحت عنوان ما يسمى ادارة الازمات، دون ان تطرح حلا شافيا وعادلا لمكونات القضية الفلسطينية الاساسية. وبقيت مختلف القضايا التي برزت بعد النكبة الفلسطينية، قضايا معلقة لم تشهد انفراجا حقيقيا ، وبمرور الوقت تحولت الى ازمات متراكمة.
الفكر العقائدي الصهيوني رسم مخططا اساسا على استبعاد اي حلول جوهرية، وفي مقدمتها عودة اللاجئين الى ديارهم. واعتمدت هذه المقاربة على عامل الزمن لانهاء ملفات مركزية في القضية الفلسطينية، تحت شعارات مثل الكبار يموتون والصغار ينسون، او عبر مشاريع التوطين في دول تقبل باستيعاب اعداد كبيرة من اللاجئين. غير ان هذه المشاريع لم ترى النور، بل ادت الى تعقيدات في المشهد الفلسطيني والاقليمي ، مما ادى الى فشل تلك المشاريع نتيجة الصبر والصمود الفلسطيني والتمسك بحق في العودة الذي اقرته الامم المتحدة وتقرير المصير.
عملت اسرائيل على رفض مختلف الحلول وتعطيل مسار السلام الشامل والعادل، ودابت في سياستها على التفرد بالمسار الفلسطيني، وعزله عن المسارات العربية المرتبطة بالصراع مع اسرائيل. وقد نجحت الى حد بعيد في ذلك، عبر الاتفاقيات التي وقعتها مع عدد من الدول العربية ، ودفعت المنطقة العربية بضغط امريكي واوروبي الى ما يعرف بالتطبيع مع اسرائيل، والدخول فيما سمي بالاتفاقيات الابراهيمية. ومن خلال هذا الاستفراد، جرى تعميق سياسة ادارة الازمات في المسار الفلسطيني ، ودفعها الى مستويات يصعب معها الوصول الى حلول، امام المشروع الاسرائيلي المتكامل للتوسع الاستيطاني وضم الاراضي الفلسطينية، والتهجير القيري للفلسطينيين.
المشروع الاسرائيلي تجاه الفلسطينيين يقوم على تعميق الالم والمعاناة، وخلق حالة دائمة من فقدان الامل. وهو مشروع عالي التكلفة على الجانب الفلسطيني ماديا ومعنويا، اذ يعتمد على التهجير القسري من مناطق التجمعات الفلسطينية، ودفع السكان نحو المدن والقرى الكبرى في مرحلته الاولى ، اما المرحلة النهائية والتي لن تعيي اسرائيل فهو التهجير القسري واعادة التموضع في مناطق تسعى اسرائيل جاهدة للدفع بها في انحاء مختلفة من العالم، وحصرهم في كانتونات معروفة المعالم والاهداف، باتت مكشوفة امام العالم باسره. لقد عملت اسرائيل منذ بدء الحرب على غزة في اكتوبر 2023، لايجاد اماكن لنقل الفلسطينين من غزة وعملت على تموضعهم في عدة مناطق في العالم ونقلت عدة مئات منهم ، لكن بالرغم من الضغط الكبير لم يقبل السكان الهجرة ، وفضلوا الموت على ذلك.
الضم الزاحف للضفة الغربية، ومشروع غزة الجديدة، ياتيان في ذات السياق، وضمن موافقة امريكية صامتة، دون احداث ضجيج سياسي او اعلامي. كل ذلك يتم في اطار ادارة الالم الفلسطيني. ومع تشكيل ما سمي بمجلس السلام في غزة، يتجلى مشهد هدوء مصطنع، تحت وقع طبول الحرب التي تقرع في مسارات اخرى. والهدف واحد، وهو اعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا في منطقة الشرق الاوسط، في اطار صفقة القرن الثانية غير المعلنة الى الان بشكلها النهائي.
تتوزع عناوين الالم للفلسطينين تحت ادارة الازمة مع كل اشراقة صباح، تتكرر اسئلة الفلسطينيين: متى تنتهي المعاناة؟ متى تفتح مداخل المدن؟ متى يعود العمال الى اعمالهم؟ متى تنتهي ازمة الرواتب؟ متى تفتح المعابر الدولية وينتظم العمل فيها؟ متى يصل دورنا في المياه؟ متى يتوقف انقطاع الكهرباء؟ متى نخرج من بيوتنا ونعود اليها امنين؟ ومتى تتوقف هجمات المستوطنين، ومصادرة الاراضي، وهدم البيوت؟ اسئلة لا تنتهي، تتراكم يوما بعد يوم في حياة الاسر الفلسطينية، في اطار سياسة ممنهجة لادارة المعاناة التي يمارسها الاحتلال.
المسالة هنا ليست في تحسين شروط الحياة تحت نير الاحتلال،بقدر ما هو في انهاء الاحتلال ذاته. فالمعاناة، حتى لو خفتت مؤقتا، ستعود بشكل اشد طالما استمر الاحتلال، باعتباره المصدر الاساسي لها، والقائم على ادارتها ضمن سياسة تقوم على اعدام الحق في الحياة، ومحو الذاكرة الفلسطينية.
وبالرغم من كل ما يسببه الاحتلال من معاناة للفلسطينيين، الا انه تلقى هزيمة معنوية واضحة امام صمودهم، ورفضهم لنظريات التهجير والاندثار. وانا اعتقد جازما ان كل المشاريع التي تمرر تحت مظلة السلام المزعوم، او عبر التهديد باعدام مقومات الحياة، لن تنجح امام هذا الصمود.
اذكر حين احتلت اسرائيل مدينتي عام 1967، كنت صبيا يافعا، وكان الاحتلال كما يشاع في حينه يعد العدة لمجزرة في الخليل انتقاما لاحداث سابقة تعود الى زمن الانتداب البريطاني. عاش الناس حينها حالة ترقب وتوجس، لكن اهلي قرروا البقاء في المدينة وعدم مغادرتها مهما كان الثمن. وها نحن اليوم نواصل الصمود والتحدي، بصبر واعتزاز، مؤمنين بان الاحتلال الى زوال مهما طال ليله.
في المحصلة، لا تكمن خطورة ما يسمى بمشاريع السلام الجديدة في نصوصها المعلنة، بل في ما تخفيه او ما يمكن تفسيره من نصوص من محاولات لاعادة انتاج الاحتلال بصيغ اكثر نعومة، وادارة المعاناة بدلا من انهائها. فالقضية الفلسطينية ليست ازمة انسانية تبحث عن تحسين شروط العيش، بل قضية شعب يسعى الى الحرية، والى استعادة حقه في الارض والذاكرة والحياة. وكل مشروع يتجاوز هذه الحقيقة، مهما تلون بمفردات السلام والاستقرار، يبقى مشروعا عابرا، عاجزا عن كسر ارادة الصمود الفلسطيني، التي اثبتت عبر العقود انها اقوى من كل محاولات التطويع والنسيان.

تعليقات
إرسال تعليق