الإبادة تحت الحماية ودون مسالة :قراءة في وهم الخلود السياسي
الإبادة تحت الحماية ودون مسالة :قراءة في وهم الخلود السياسي
بقلم مروان سلطان
فلسطين 🇵🇸
23.12.2025
—————————————————
هكذا يظنون، أن يد العدالة لا تطولهم، وأنهم بعيدون كل البعد عن المساءلة عما يقترفون. يعتقدون أنهم يحظون بحماية الرئيس ترامب، وللوهلة الأولى قد يخيل إليهم أن هذا الوضع ضرب من طلاسم الخلود. ويُقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن الحقيقة ليست كذلك، فالتاريخ يُكتب بالوثائق والشهادات، وبما تتركه الأفعال من أثر لا يمحى.
يجدر بنا التجوال في عقول الزمرة الحاكمة لدولة الاحتلال، والسؤال عما يدور في رؤوسهم في ذروة ما يسمى عصر المدنية والحضارة الرقمية. ولو أدركوا مآلات أفعالهم، لما أقدموا على ممارسات يندى لها جبين البشرية.
لقد أقدم هؤلاء، وباسم اليهود في العالم، على ارتكاب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وأثخنوا في الفلسطينيين الجراح قتلا وتهجيرا. ارتكبوا جريمة المجاعة، والتعطيش، ومنع الدواء والغذاء، وهي جرائم بشعة بحق الإنسانية.
استولوا على الممتلكات، وصادروا الأراضي الزراعية، ومنعوا الرعاة والعمال والطلاب من مزاولة أعمالهم. هدموا وأغلقوا مساجد وكنائس ومعابد، وعطلوا ذكر الله فيها. هجّروا السكان من منازلهم، وأحلوا مكانهم المستوطنين، وفرضوا قيودا مشددة على حركة الفلسطينيين، وأغلقوا المدن وقطعوا أوصالها. كل ذلك غيض من فيض من ممارسات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من فلسطين. واعتقد جازما ان هذا بعيد كل البعد عن افعال اليهود الذين هم عانوا اصلا من الهلوكوست، والابادة الجماعية.
سيسجل التاريخ هذه الحقبة كمرحلة استعمار استيطاني حديث، استثمر في سردية دينية وأخلاقية لتبرير الإبادة، كما فعلت مشاريع استعمارية سبقتها. وسيقرأ استخدام “اليهودية” غطاء تاريخيا كتشويه للدين لا كتعبير عنه، وكتحميل جماعي لهوية كاملة وزر مشروع سياسي وعسكري ، تصدرت خلاله انتهاكات جسيمة ضد الانسانية.
في جوهر الفكرة، ليس الأمن في ما يقوم به الاحتلال كما يروّج، بل الأرض الخالصة من أصحابها. اليمين الإسرائيلي لا يرى الفلسطيني مشكلة سياسية قابلة للحل، بل عائقا ديموغرافيا يجب كسره أو احتواؤه وطرده. لذلك تتبدل الأدوات، فيما تبقى الغاية واحدة. وهذا ما يدور في خطة سيموريتش للحسم مع الفلسطينين في ضم الضفة الغربية.
أرادوا كسر الإنسان الفلسطيني وإرادته، وما زالوا يسعون إلى استكمال ما بدأوه منذ سنوات في الاستيلاء على الأرض التي يريدونها خالية من الفلسطينيين. باسم الدين والرواية التوراتية، ، ترتكب الموبقات. وسيسجل التاريخ هذه الحقبة كما سجل تاريخ النازية والفاشية في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانوا يظنون على الدوام انهم خارج دائرة المسالة.
يقول التاريخ إن أطول أعمار الاستعمار هي تلك التي تحظى بدعم دولي وصمت أخلاقي. لكنه يقول أيضا إن الدنيا دول، تتداول فيها السلطات، وتتآكل الروايات، وينهار الجبابرة. واليوم باتت الرواية الإسرائيلية على المحك، ولم يعد كثيرون يصدقون أكاذيبها في العالم.
سيسجل التاريخ أن الشعب الفلسطيني تعرض لحصار بشع وإبادة جماعية، استخدمت فيها كل أدوات الإكراه على الاستسلام، وأن هذا الشعب واجه ذلك بصبر وثبات، بصدور عارية. وسيسجل أيضا أن أخطر ما واجهه الجبروت الإسرائيلي كان فشله الدائم في إنتاج إنسان مهزوم.
ولهذا نرى اليوم أمثال بن غفير وسموتريتش وغيرهم من أركان الحكومة الإسرائيلية يخرجون بأفكار عنف جديدة، من توسيع النشاط الاستيطاني إلى الحديث عن أعواد المشانق وسجون محاطة بالتماسيح. يمتلكون كل أدوات البطش والهجوم على الشعب الفلسطيني بمختلف الوسائل والأسلحة، لكن الانكسار ظل عصيا على الفلسطيني في صموده وتحديه.
في لحظات الغطرسة القصوى، يظن الإحتلال أن الزمن حليفهم، وأن الحماية السياسية كافية لإغلاق أبواب الحساب. غير أن الايام لا تعمل بمنطق الحصانة الدائمة، بل بمنطق التراكم والانكشاف. وما يجري اليوم في فلسطين لن يبقى حبيس اللحظة، بل سيتحول إلى سجل مفتوح من الشهادات والوقائع، تتجاوز الروايات الرسمية وتفضح تناقضاتها التي بدئت تظهر في دول العالم اليوم. وحين تُعاد كتابة هذه المرحلة، سيظهر جليا أن أخطر ما واجهته آلة الإبادة لم يكن المقاومة المسلحة ولا الإدانات الدولية، بل عجزها البنيوي عن كسر إنسان قرر أن يبقى، وأن يحوّل صموده نفسه إلى معنى، وإلى تاريخ.

تعليقات
إرسال تعليق