حين يغيب الوعي الجامع: تفكك الداخل في زمن الاستهداف الشامل

 حين يغيب الوعي الجامع: تفكك الداخل في زمن الاستهداف الشامل


بقلم: مروان سلطان

فلسطين 🇵🇸

21.12.2025

—————————————————


يعد الانفلات القيمي والأخلاقي في المجتمعات أحد أسباب الانهيار، لما ينتج عنه من سلبيات تهدد الوجود المجتمعي، وقد يقود في لحظات تاريخية حرجة إلى كوارث وطنية، كالنزوح القسري الجمعي، أو إعادة التوطين في مناطق قد تبدو أكثر أمنا وهدوءا للأفراد والجماعات.


ما يشهده مجتمعنا الفلسطيني من ظواهر سلبية ناتجة عن مسلكيات أفراد وجماعات، أدت إلى أعمال قتل وثأر وشجارات، إضافة إلى تعديات على الممتلكات وغيرها من المظاهر، يشكل عائقا حقيقيا أمام البرنامج الوطني الفلسطيني الرامي إلى حماية الأرض والإنسان، والتمسك بالهوية الفلسطينية.


لذا فإن تصاعد ظاهرة الجريمة في المجتمع، وما ينتج عنها من سقوط ضحايا بسبب احتكاكات في مواقع العمل أو غيرها، وما يتبع ذلك من أعمال عنف من استعمال اسلحة اتوماتيكية ، تسبب الذعر والقلق  وحرق الممتلكات، أمر بالغ الخطورة، ويهدد سلامة وأمن المجتمع بأكمله. نحن أمام أزمة وعي جماعي تشكلت عبر سنوات طويلة من القهر المركب، حيث يتداخل الاحتلال مع التفكك الداخلي، لينتج واقعا مشوها في ترتيب الأولويات.


حدوث هذه الظواهر أمر في غاية الخطورة، وله أسباب متعددة في مسار الجنوح داخل المجتمعات. وعلى الرغم من أن الضوابط المجتمعية في المجتمع الفلسطيني كانت على الدوام متينة، إلا أن ذلك لم يمنع من الانفلات الذي بدأت مظاهره تتفشى. ولعل تراجع الموروث الديني، وغياب الرادع الأخلاقي، وتآكل منظومة القيم لدى بعض الأفراد، إضافة إلى الفراغ الناتج عن غياب المرجعيات الوطنية والثقافية المؤثرة في الجبهة الداخلية، كلها عوامل أسهمت في إضعاف الحصانة الاجتماعية التي طالما اتكأ عليها المجتمع الفلسطيني.


ولا يمكن، دون أدنى شك، استبعاد عامل الاحتلال، الذي يعد أحد أكبر المتسببين في إنتاج الفوضى الأمنية داخل المجتمع الفلسطيني، ولا يمكن تبرئته من حالة الانفلات التي تشهدها مدننا. فالاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يعمل بصورة منهجية على تفكيك المجتمع من الداخل. ومن أجل ديمومة هذا الاحتلال، يسعى إلى إحداث تفسخ مجتمعي، يتحول فيه الغضب المكبوت إلى صراعات داخلية، حيث لا يختفي العنف بل يغير اتجاهه.

يعد الاحتلال مصدرا رئيسا لانتشار السلاح العشائري، خصوصا في المناطق التي يفرض سيطرته عليها، والتي تحولت إلى ملاذات للخارجين عن القانون، حيث تنفذ منها عمليات إجرامية تشمل تجارة السلاح والمخدرات والممنوعات. كما أن سيطرة الاحتلال على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وإغلاقها أمام حركة المواطنين، لها أثر نفسي مباشر في تصاعد وتيرة العنف داخل المجتمع الفلسطيني، وتعيق عمل الامن الفلسطيني لاخماد الفتن والحرائق المشتعلة.


وحين يصبح الدم الفلسطيني رخيصا في الخطاب اليومي، وفي وسائل المسموعات والمرئيات، وتبرز ثقافة الأنا والقوة العشائرية، تتآكل المناعة الأخلاقية، ويتحول الخلاف إلى ثأر، والرأي إلى عداوة، والاختلاف إلى إلغاء. وهذا من أخطر ما يواجه أي مجتمع يفتقد إلى مركزية القوة الحافظة والرادعة للأمن المجتمعي.


من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء الحصانة المجتمعية للشعب الفلسطيني، من خلال اعادة  الاعتبار للثقافة الوطنية الهادفة، التي تعزز القيم الأخلاقية بوصفها جزءا من منظومة الصمود والحفاظ على الوجود. فالمعركة وصلت إلى مرحلة مصيرية، يصبح فيها التمسك بالهوية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار للقيم التي شكلت مصدر اعتزاز وافتخار، مدخلا أساسيا للحد من المظاهر السلبية في المجتمع.


ما نعيشه ليس انحرافا أخلاقيا فرديا، بل نتيجة طبيعية لواقع غير طبيعي. والتغلب عليه لا يبدأ من الشارع وحده، بل من إعادة بناء المعنى، وإحياء الإحساس بأن ما يجري ليس قدرا محتوما، وأن الانشغال بالصراعات الداخلية في لحظة تاريخية فارقة هو شكل آخر من الهزيمة الصامتة. ما يمر به المجتمع الفلسطيني اليوم لا يمكن قراءته كحالات فردية أو انفلاتات معزولة، بل هو انعكاس مباشر لواقع مركب يتداخل فيه الاحتلال مع غياب المرجعيات الوطنية الجامعة، وتراجع الثقافة القيمية التي شكلت تاريخيا صمام أمان للمجتمع. إن استعادة الحصانة المجتمعية لا تبدأ بفرض النظام والقانون وحده، بل بإعادة بناء الوعي الجمعي، وترميم منظومة القيم التي تحفظ الاختلاف وتمنع تحوله إلى صراع داخلي. ففي لحظة تاريخية تهدد الوجود ذاته، يصبح الانشغال بالنزاعات الداخلية انزلاقا خطيرا يخدم مشروع التفكيك، فيما يبقى الوعي الوطني الجامع هو خط الدفاع الأول عن الإنسان، والأرض، والهوية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود