من النكبة إلى غزة: ركام واحد وحكاية لم تنته وحق الشعوب في الوجود والحريه تنبؤه الايام
من النكبة إلى غزة: ركام واحد وحكاية لم تنته
وحق الشعوب في الوجود والحريه تنبؤه الايام
بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸
18.12.2025
—————————————————
المشهد في غزة منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي في أكتوبر 2023، وما تسبب به من دمار هائل للبيوت والأبراج والمخيمات والأحياء على رؤوس ساكنيها، هو امتداد لمسيرة عقود من الاحتلال الذي ضرب فلسطين منذ سنة 1948. الحكاية تتكرر بذات المشهد في كل القرى والمدن الفلسطينية، إما بقتل من فيها أو بإجبار أهلها على مغادرة أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم. مجازر، إبادة جماعية، وتطهير عرقي، تم تنفيذها تحت النار، وصوت المدافع، وأزيز الطائرات.
لم تكن الحرب يوما بين الجيوش، بل شنت على المدنيين الفلسطينيين من أجل الاستيلاء على ممتلكاتهم وأراضيهم وبيوتهم. اليوم، عندما تزور فلسطين التي احتلت سنة 1948، ترى البيوت ذات الطابع العربي الإسلامي والمسيحي وقد تم تسكين المحتلين الصهاينة فيها بعد تهجير سكانها الأصليين.
في غزة، لم يتركوا البيوت ولا الأبراج السكنية ولا الأحياء العربية، فهم ليسوا بحاجة إليها. غزة اليوم أمام مشهد جديد، ما بعد الابادة ، ستقام فيها مشاريع تخدم الحركة الاقتصادية العالمية، من الطرق المائية، والموانئ التجارية، وأبراج كوشنير، وشاليهات ترامب، إضافة إلى استغلال مصادر الطاقة من الغاز والبترول على شواطئ غزة.
حاضر غزة ومستقبلها باتا مجهولين، وأنا لا أتحدث عن الأرض الملغومة فقط، بل عن الناس الذين يخيرون اليوم بين الموت جوعا أو عطشا، أو بسبب عدم توفر الدواء، أو الموت من البرد القارس وطقس الشتاء الموحل، أو نتيجة هجمات الجيش الإسرائيلي على أماكن وجودهم. إنه الموت بكل أوصافه، وخيار التهجير، أو مصير من قضوا نحبهم تحت الركام، أو بفعل البرد أو الحر، أو كل ذلك معا. والسيناريو ليس بعيدا عن الضفة الغربية، لكن عامل الوقت يتحدث.
إسرائيل تمتلك براعة كبيرة في الالتفاف على المبادرات السياسية والحلول الهادفة إلى إنهاء معاناة غزة. وعامل الوقت يمضي دائما في صالح الإسرائيليين، لأن إسرائيل تعمل وفق خطة واضحة، في مقدمتها تفكيك النسيج المجتمعي الفلسطيني، ثم تحديد الأسلوب المناسب لإقناع الوسطاء والعالم الصامت أمام استفحالها في دماء الفلسطينيين وسط الحماية الدولية، ما دام الهدف المعلن هو تحقيق الأمن أو الدفاع عن النفس أو الحفاظ على الوجود. هذه هي ذرائع إسرائيل أمام العالم، قبل الانتقال إلى الموجة الثانية التي تزعم أن الأرض الفلسطينية هي وعد الرب لليهود، وأنها أرض إسرائيل. وفي هذا السياق، نجد من يكرر هذه الأقوال والتفسيرات بلا تفكير، كمن يحمل رأس ببغاء.
اليوم عادت الأسطوانة ذاتها من جديد، حول الإرهاب الإسلامي، والخطر على اليهود، ومعاداة السامية، وكلها تبريرات لحرب قذرة تشن على الفلسطينيين، ويجري من خلالها إعادة هندسة الديموغرافيا والجغرافيا، والشرق الأوسط من جديد. وإذا غابت المبررات التي تنفذ عبرها هذه الهيكلية، فإن استحضارها ليس أمرا صعبا لدى الاحتلال الإسرائيلي، لأنه يتحكم في مجمل مفاصل الحياة الفلسطينية. وهذا ليس غريبا، فإسرائيل تمتلك من الأدوات ما يمكنها من التأثير حتى على دول تدعي السيادة على أراضيها، سواء في الإقليم أو على مستوى العالم، وهذه حقيقة دامغة لا تحتاج إلى إثبات أمام مشهد يتحدث عن نفسه.
وبالقدر الذي تمتلك فيه إسرائيل هذه القدرات، فإن مواجهة هذا الاحتلال تمر عبر صمود الشعب الفلسطيني وثباته على أرضه. فالتعافي من كل هذه المؤثرات يتطلب جهدا فلسطينيا داخليا لصد هذه الهجمة. وقد أثبت شعبنا قدرته على تجاوز المحن والكوارث الكبرى. وما يميز شعبنا هو إيمانه العميق بحتمية الانتصار، ودحر الاحتلال، وتحقيق حقه في تقرير مصيره على أرضه ووطنه. وبين هذا الركام الممتد من 1948 حتى غزة اليوم، لا يمكن فصل الماضي عن الحاضر، ولا اختزال ما يجري في حدث عابر أو حرب طارئة. ما نشهده هو مسار طويل لإعادة تشكيل الأرض والإنسان، ومحاولة كسر الإرادة قبل كسر الحجر. غير أن التجربة الفلسطينية، بكل ما راكمته من ألم وخسارة، تؤكد أن ما فشل الاحتلال في محوه عبر ثمانية عقود، لن ينجح في إنهائه اليوم. فبقاء الفلسطيني على أرضه، رغم الجوع والحصار والدمار، ليس مجرد صمود، بل فعل تاريخي يواجه مشروع الإلغاء، ويعيد تثبيت الحقيقة الأوضح: أن هذه الأرض لأهلها، وأن الركام، مهما طال، لا يصنع نهاية لشعب قرر أن يكون.

تعليقات
إرسال تعليق