التناقض كسياسة: من التأشيرة إلى الركام إدارة الانهيار باسم السلام
التناقض كسياسة: من التأشيرة إلى الركام
إدارة الانهيار باسم السلام
بقلم: مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸
19.12.2025
————————————————
عندما تتجمع خيوط شركاء الانكسار الذي يريده الإسرائيليون وحلفاؤهم ضد الشعب الفلسطيني، ما بين لؤم العدو، وتبجح المزاودين، وثقل الفهم لدى الآخرين، فإن الحالة الراهنة تكاد تقترب من الانهيار الكبير. محاولاتهم اليوم لا تخفى، فهي تسعى إلى دق المسمار الأخير في نعش الفلسطينيين. عند هذه اللحظة يدرك المرء أن ما يجري ليس عفويا، وأن ما يحاك في الظلام كبير وخطير ضد من يدعون أن السلام هو هدفهم، فيما هم يقتلون الشريك الرئيس لهذا السلام.
لا حاجة للذهاب بعيدا في الأمثلة، فقراءة المشهد الأخير كافية للدلالة. نحن اليوم أمام محاولات إسرائيلية محمومة ذات دلالات تدميرية عميقة ضد الشعب الفلسطيني، تتقاطع مع سياسات أكبر دولة في العالم التي تصدرت المشهد بمنع الفلسطينيين من الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك تشدق بعض الشخصيات العربية التي تتناول تارة القيادة الفلسطينية، وتارة أخرى تردد قضايا ومفاهيم يروج لها الاحتلال تحت مسمى الإصلاحات، دون إدراك مداها أو توقيتها. هذا السلوك لا يخرج عن كونه شكلا من أشكال التنمر السياسي على الشعب الفلسطيني وقيادته.
ما يجري اليوم لا يمكن قراءته كسلسلة أحداث منفصلة، بل كمسار سياسي متكامل يعيد إنتاج السيطرة بأدوات جديدة. فالمنع من التأشيرات، والابتزاز المالي، والتنمر السياسي، كلها حلقات في منظومة واحدة هدفها إضعاف الفلسطيني لا تمكينه، وإبقاؤه في حالة إدارة أزمة دائمة بدل فتح أفق حل حقيقي. في هذا السياق، لا يُراد للسلام أن يكون جسرا للعدالة، بل سقفا منخفضا يمنع الانهيار الكامل دون أن يسمح بالنهوض، وتصبح السلطة جزءا من معادلة ضبط الواقع لا تغييره. هذه المعادلة ليست وليدة الصدفة. فعندما تتجمع خيوطها وتبرز في توقيت متقارب، يصبح من السهل فهمها كبنية سياسية مختلة، تقوم على معادلات تبقي الفلسطينيين مترنحين بين الموت والحياة.
السياسة الأميركية، وعلى امتداد تاريخ التعامل مع القضية الفلسطينية، حاولت إداراتها المتعاقبة تجنب استفزاز الجانب الفلسطيني بشكل مباشر، رغم دعمها اللامحدود لإسرائيل. غير أن الرؤساء الأميركيين، قبل ترامب، لم يذهبوا إلى تدخلات حساسة من قبيل الاستيطان، أو ضم الجغرافيا، أو منع الفلسطينيين من دخول الولايات المتحدة. واليوم، في الوقت الذي يطرح فيه الرئيس ترامب نفسه راعيا للسلام، أو رئيسا لمجلس سلام دولي لغزة، يأتي منع التأشيرات ليكشف أن هذا الطرح يقوم على إدارة الصراع لا حله.
السلام، في هذا السياق، لا يُفهم بوصفه تحقيقا للعدالة أو إنهاء للاحتلال، بل كآلية لضبط سلوك الطرف الأضعف، وإبقائه تحت الضغط السياسي والاقتصادي. ومن هنا، يصبح منع التأشيرات رسالة رمزية مفادها أن الفلسطيني طرف غير مرحب به، حتى وهو مدعو شكليا إلى السلام. هذه ليست زلة سياسية، بل جزء من تصور يرى في الفلسطيني عبئا يجب احتواؤه لا شريكا يجب إنصافه.
سموتريتش، وزير مالية دولة الاحتلال، الذي يمنع تحويل أموال المقاصة إلى وزارة المالية الفلسطينية، ويعمل بين الحين والآخر على قرصنة هذه الأموال تحت ذرائع مختلفة، يصرح اليوم بتحميل السلطة الفلسطينية كلفة إزالة ركام دمار تسببت به إسرائيل، مع منعها في الوقت ذاته من الوصول إلى غزة. هذا الطرح يعكس منطق العقاب الجماعي المغلف بإجراءات إدارية.
هذه ليست معادلة قانونية ولا أخلاقية، بل أداة ابتزاز سياسي ومالي. والأخطر أن هذا الموقف يتناقض حتى مع الطلب الأميركي من إسرائيل إزالة الركام، ما يكشف أن إسرائيل لا تتعامل مع حلفائها بوصفهم مرجعية ملزمة، بل توظف التناقضات الدولية لخدمة مصالحها.
تنمر بعض الشخصيات العربية على السلطة الفلسطينية، ومطالبتها باستحقاقات غامضة في لحظة انهيار مالي وسياسي وإنساني، يعكس تلاقيا موضوعيا بين هذه الأطراف، ويكشف عجزا عن قراءة الواقع أو رغبة في التنصل من المسؤولية. وهو في المحصلة يصب في الأهداف ذاتها التي يسعى الاحتلال إلى تحقيقها. فبدلا من دعم مؤسسة تتآكل تحت وطأة الاحتلال، يجري تحميلها ما يفوق قدرتها، وكأن المطلوب منها أداء دور الدولة كاملة بلا سيادة، ولا موارد، ولا أفق سياسي، في وقت يعجز فيه هؤلاء أنفسهم عن إنقاذها من براثن الاحتلال وأعوانه.
في ضوء هذا الواقع المتلاطم، ومحاولات النيل من الشعب الفلسطيني وقيادته، يبرز السؤال: لماذا تستمر السلطة الفلسطينية في أداء مهامها رغم أنها باتت توصف بالسلطة العرجاء أو المقعدة؟ يمكن الإشارة هنا إلى أسباب أبرزها:
• الخوف من فراغ كامل وما يحمله من فوضى اجتماعية وإنسانية يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني لا الاحتلال.
• غياب بديل سياسي متفق عليه فلسطينيا وقادر على إدارة المرحلة.
• ارتباط حياة مئات آلاف الموظفين وعائلاتهم، والخدمات الأساسية، بوجود السلطة.
في خضم هذه البيئة السياسية، نحن أمام سلطة يراد لها أن تبقى قائمة بما يكفي لمنع الانهيار، ومشلولة بما يكفي لمنع الفعل. إنها معادلة تقوم على إبقاء الجسد حيا مع شلل الإرادة. وهذه ليست أزمة أداء بقدر ما هي أزمة وظيفة ودور في نظام سياسي صمم ليبقى الفلسطيني في حالة تنفس اصطناعي دائم. هذه ليست أزمة سلطة ولا عجز شعب، بل وظيفة سياسية صممت لإبقاء الفلسطيني حاضرا بلا قدرة، وحيا بلا أفق، في انتظار لحظة لا يسمح له ببلوغها.

تعليقات
إرسال تعليق