وهم الأمن المطلق: لماذا تفشل إسرائيل في صناعة الاستقرار

 وهم الأمن المطلق: لماذا تفشل إسرائيل في صناعة  الاستقرار

بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

19.9.2025

——————————————————

الاساس في حل الازمات والوصول الى الاستقرار السياسي للشعوب والدول يقوم على مبادئ ومفاهيم التي اساسها العدل ، والديموقراطية. دون فرض هيمنة ونفوذ الاخرين عليها، العدالة وكل القيم الانسانية مصدر الهام الشعوب من اجل النهضة ، ومجتمعات سليمة.  لذا لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي للشعوب عبر القوة العسكرية أو العقائد الأمنية وحدها. وفرض الهيمنة والسيطرة بالقوة، فإنه لا يؤدي إلا إلى إنتاج دوائر جديدة من الاضطراب والعنف. يقول اعرابي عندما راى الخليفة العادل عمر بن الخطاب مستلقيا تحت شجرة لوحدة ، عدلت فامنت فنمت يا عمر. كلمات تلخص مفهوم الامن بكل صوره ، تحقيق العدالة فنال الامن.


اما الدول التي تجعل من هواجس الأمن عقيدتها الأولى، تعيش في قلق دائم، واسرائيل على راس الدول تلك ، فهي في حراك دائم تعمل على السطوة الامنية ، وهي تسأل نفسها باستمرار: أين يكمن الخطر؟ كيف نحتويه؟ وماذا نفعل؟ وهكذا تصبح سجينة الخوف بدل أن تكون ضامنة للسلام. هذا هو جوهر مأزق إسرائيل منذ تأسيسها.


فمنذ اللحظة الأولى، لم تُنشأ إسرائيل كدولة طبيعية لها جيش، بل كجيش أقام لنفسه دولة، العسكر والجنرالات هم اركانها. فارتكزت عقيدتها الأمنية على ثلاث ركائز: الردع، الاستخبارات، والحسم. وتطورت هذه العقيدة إلى استراتيجيات تقوم على التفوق العسكري، الضربات الاستباقية، إنشاء حدود “آمنة”، ومحاولة فرض مناطق عازلة عن محيطها، وكل ذلك بغطاء من القوى الكبرى.


لقد جرّبت إسرائيل هذا النهج في أكثر من ساحة: من دعم ميليشيات أنطوان لحد في جنوب لبنان، إلى فرض روابط القرى في فلسطين، وصولًا إلى الضغوط على منظمة التحرير الفلسطينية لتبني خيارات أمنية تخدمها. وتشيع اليوم انها ستقوم بانشاء امارات لمشايخ وعشائر تابعين لها، وبالتوازي  استثمرت اسرائيل بشكل واسع في التكنولوجيا وبرامج التجسس، لتغذية هوسها الأمني بالمعلومات والسيطرة. ومع ذلك، لم يحقق هذا المشروع استقرارًا ولا شرعية.


الخطاب الإسرائيلي الذي قدّم الجيش الاسرائيلي على أنه “الأكثر أخلاقية في العالم” سقط أمام الحقائق الموثقة من مجازر، وتطهير عرقي، وجرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، في فلسطين تكشف حقيقتها كعقيدة عدوانية لا إنسانية. أما فكرة “الحدود الآمنة” فقد فقدت معناها في عالم يمكن للصواريخ فيه أن تعبر مئات الكيلومترات لتصيب أهدافها بدقة، كما ظهر في تجارب العراق واليمن وإيران وغيرها، وتتفوق على هوس الردع والتفوق الامني الاسرائيلي. وهنا تتحطم العقيدة الامنية، ولو ان العدل هو الذي ساد ما كان لهذا ان يحدث وتتحطم الحدود، والقيود.


والأهم أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية ايضا عاجزة أمام إرادة من نام فاقدا او حزينا من مشهد المجازر، والمجاعة المقززة، …. والخ من سياسات الاحتلال فقد عبّر إسحق رابين عن نفسه في ذلك بقوله: “كيف أوقف شخصًا قرر لنفسه أن يموت؟”. لا جدار ولا طائرة مسيّرة ولا جهاز استخبارات يمكنه أن يوقف انتفاضة شعبية أو عملًا فرديًا عبر الحدود والحواجز يولد من رحم القهر والاحتلال، ومشاهد المجازر التي تدمي القلوب.


إن الدرس الأوسع من فشل هذه العقيدة يتجاوز فلسطين وحدها: الأمن الحقيقي لا يُبنى بالقوة والهيمنة، بل في نشر العدل والاعتراف بحقوق الشعوب. فالمجازر والمجاعات والسجون لا تصنع امنا، وكلما تمسكت دولة بفكرة الأمن المطلق من خلال السلاح، كلما صنعت لنفسها واقعًا أكثر هشاشة واضطرابًا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود