إسرائيل الكبرى وحق الدفاع عن النفس: معايير مزدوجة تهدد الإقليم

 إسرائيل الكبرى وحق الدفاع عن النفس: معايير مزدوجة تهدد الإقليم

بقلم مروان سلطان          فلسطين 🇵🇸

21.8.2025

————————————————

حق الدفاع عن النفس تحول الى امتياز اسرائيلي مطلق ، تستخدمه اسرائيل في فرض نفوذها في المنطقة والاقليم ، وتبرير عمليات عسكرية باستعمال القوة المفرطة. وفي المقابل فان دول الاقليم مطالبة بالصمت حتى يبدو وان كانت هي الضحية. وهنا يبرز سؤال افتراضي انه اذا ما قررت اسرائيل البدء في مشروعها " اسرائيل الكبرى"، واحتلال مناطق في دول الاقليم ، فهل سيكون لتلك الدول حق الدفاع عن النفس مكفولا لتلك الدول ، ام سيبقى حصريا لاسرائيل وحدها، والشكوى للامم المتحدة ومؤسساتها؟ . هنا نحن امام معايير مزدوجة في المصطلح الدولي.

في المقابل، تقوم الدنيا ولا تقعد إذا ما تعرضت إسرائيل لأي حدث أمني، ليصبح من حقها ما يسمى “حق اسرائيل في الدفاع عن النفس”. على ضوء واقعة السابع من أكتوبر، منحت إسرائيل التصريح والوقت اللازم لاستعادة ما سمي بـ”الردع” وشن عملية عسكرية في غزة ، تحت العنوان ذاته. وشهدنا كيف أن الأساطيل البحرية ، والمساعدات العسكرية تدفقت إليها، وتسابق رؤساء الدول الكبرى لزيارتها وتثبيط عزيمتها ، مباركين مهمتها، مانحين إياها الوقت الكافي الذي تحتاجه لتنفيذ “مهمتها العسكرية” في ذبح غزة من الوريد إلى الوريد، تحت مظلة “حق الدفاع عن النفس”.

امام هذا السيناريو او مشهد احتلال مناطق للتوسع والضم لا أعرف ما هي ردة الفعل التي يُفترض أن تصدر عن الدول المتضررة والتي تطمع إسرائيل في ضم اجزاء  منها بعد احتلالها،  وإذا ما لجأت إلى فرض سيادتها على أراضٍ تدخل في نطاق خريطتها التوسعية. هل المطلوب من هذه الدول أن تهلل وتكبر استقبالًا وحفاوة بالمحتل؟ ! ممكن . 

بعض الدول العربية المطبّعة مع إسرائيل ستجد نفسها امام موقف محرج وفي مأزق كبير: فهي بين التزامات “السلام” من جهة، وبين تهديد مباشر لسيادتها من جهة أخرى ولكن يبدو ان الاردن على سبيل المثال اخذت الامر على محمل الجد ، واعلنت عن البدء في برنامج التجنيد الاجباري للشباب الاردني، الذي يفسر ان الامور تاخذ منحى جديد في المنطقة، وهو الدفاع عن ثرى الاردن في حال تعرض الى عدوان اسرائيلي، وستكون في خط المواجهة الأول، مما قد يؤدي إلى انفجار صراعات إقليمية جديدة. البعض الاخر مثل مصر  لن تقبل أي اقتراب إسرائيلي من سيناء أو قناة السويس، لأنها تعتبر ذلك تهديدًا وجوديًا ، وتهديدا للامن القومي المصري.

إسرائيل تستند دائمًا إلى ذريعة الدفاع عن النفس واستعمال القوة المفرطة في عملياتها وردة الفعل على حدث امني في مناطقها، لكن التوسع العسكري سيكشف بوضوح الطابع الاستعماري، وقد تفقد جزءًا كبيرًا من شرعية الدعم الغربي.  الولايات المتحدة وأوروبا قد تحاولان في البداية تبرير الخطوات أو غض الطرف، لكن التوسع خارج فلسطين سيُحدث تصدعًا حقيقيًا، خاصة إن اصطدمت إسرائيل بمصالح حيوية لدول كبرى (النفط، الممرات المائية). اما روسيا والصين ستجدان نفسهما امام فرصة لتوسيع نفوذهما عبر التحالف مع دول متضررة من التوسع الإسرائيلي. لكن الموقف الامريكي الداعم لاسرائيل في التوسع واستخدام السلاح الامريكي سيبقى سيد الموقف.

التوسع سيزيد من عزلة إسرائيل ويجعلها في مواجهة دائمة مع دول العالم ومحيطها، وهو ما قد يتحول إلى استنزاف عسكري واقتصادي.  المجتمع الإسرائيلي المنقسم أصلًا بين يمين متطرف وعلمانيين قد يدخل في صدام داخلي حول جدوى هذه المغامرة.  أي محاولة لتطبيق “إسرائيل الكبرى” ستُترجم لدى الرأي العام العالمي على أنها مشروع إمبريالي جديد، أشبه بالاستعمار الأوروبي القديم.  وقد يضع ذلك إسرائيل في خانة “جنوب أفريقيا في زمن الأبارتهايد”، مع تصاعد الدعوات للمقاطعة والعقوبات.  

مشروع الدولة الكبرى من النيل الى الفرات هو مشروع قديم متجدد. واذا مضت اسرائيل في هذه العملية بدء من ضم الضفة الغربية لاسرائيل وهي المرحلة الاولى من المشروع، فان ذلك سيفتح شهية الائتلاف الحاكم للمضي في حلم اسرائيل الكبرى، وهذا يعني ان المشروع الامريكي للتوسع في انضمام دول اخرى لاتفاقيات ابراهام قد وصل الى نهايته، بل ان الحديث عن موضوع حلم اسرائيل الكبرى فعلا ادى الى توتر المنطقة، وتوقف هذا المشروع، لان حليف اسرائيل الاستراتيجي الولايات المتحدة لا تقوم بإلجام اسرائيل في مشاريعها التوسعية.

إذا أقدمت إسرائيل على السير نحو مشروع “إسرائيل الكبرى”، فإنها ستفتح على نفسها جبهة مع المنطقة بأسرها، وتضع حلفاءها في الغرب أمام اختبار صعب للدفاع عن مشروع توسعي واضح. وهذا قد يؤدي، إلى تسريع انهيار مشروعها بدلًا من تحقيق حلمها.  حتى هذه اللحظة، وتحت ذريعة حق الدفاع عن النفس ترتكب جرائم حرب من ابادة وتجويع ومنع الحق في الوصول الى الماء والدواء . ولم يصدر حتى اللحظة عن أي دولة كبرى صوت حقيقي يطالب بإنهاء الحرب في غزة. والسؤال الذي سيطرح نفسه بقوة، ويحلق فوق سماء المنطقة:  إذا ما قررت إسرائيل أن تجعل من حلمها التوسعي واقعًا، فهل سيكون حق الدفاع عن النفس مكفولًا لدول الإقليم أيضًا، أم سيبقى امتيازًا حصريًا لإسرائيل وحدها؟.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود