إنكار جريمة النكبة والإبادة الجماعية والمجاعة بحق الشعب الفلسطيني لا تقل عن جريمة إنكار الهولوكوست

 إنكار جريمة النكبة والإبادة الجماعية والمجاعة بحق الشعب الفلسطيني لا تقل عن جريمة إنكار الهولوكوست

بقلم مروان سلطان.      فلسطين 🇵🇸

25.8.2025

————————————————


أي جريمة بشعة تلك التي أصابت الإنسانية عندما ارتُكبت المحرقة من قبل النازيين في الحرب العالمية الثانية، بدون ادنى شك أنها جريمة مروعة بحق البشرية جمعاء. والاعتراف بالجرائم التاريخية ضد الشعوب لم يكن من أجل التعويض أو المال بقدر ما هو من أجل تجنب تكرار تلك الجرائم البشعة بحق الإنسانية. فجاء الاعتراف بالهولوكوست، وأُقرت الجريمة بحق اليهود، وأصبح إنكارها جريمة في قوانين العالم كافة، ويعاقَب من ينكرها ويزج به في السجون.


واليوم، أمام ما يحدث في غزة من جريمة مزدوجة؛ اما موت  تحت القذائف والحمم التي تُلقى على المدنيين من الطائرات والمدافع والدبابات ، أو الموت  تحت وطأة المجاعة نتيجة الحصار والتجويع، حيث راح ضحيتها عشرات الآلاف معظمهم من الأطفال والنساء، يقف اليوم العالم مذهولاً أمام مشهد تتقزز منه الأبدان وتروع له البشرية جمعاء. لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستمرار في الهذيان وإنكار النكبة الفلسطينية ، الإبادة الجماعية ، وجريمة المجاعة ايضا التي تطال أهل قطاع غزة، والحصار المفروض في الضفة الغربية تحت عربدة المستوطنين ودعم الجيش الاسرائيلي، والتي تحدث بها الامين العام للامم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش..


الاحتلال ماض في مخططاته العسكرية، والاستيطانية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة. فالجيش الإسرائيلي في حراك مستمر على مدار الساعة، يستخدم أساليب عسكرية ذات أهداف واضحة المعالم، تؤدي إلى تفريغ الأرض من سكانها: الموت وسيلة، وهدم البيوت والمؤسسات والمدارس والجامعات والأسواق والأرزاق وتدمير البنية التحتية وحتى الأشجار المثمرة وسائل اخرى، أمر يكاد أن تخجل منه النازية ذاتها. ويشهد على ذلك بعض الناجين من الهولوكوست أنفسهم الذين باتوا يقرون أن ما يجري في غزة يشابه المحرقة، ويدينون هذه الجرائم.


وفي قرار غريب، أصدر  ما يسمى قائد المنطقة الوسطى لجيش الاحتلال في الضفة الغربية أمراً باقتلاع ما يزيد عن 3000 شجرة زيتون في قرية المغير شمال رام الله، ونفذت الجرافات الإسرائيلية القرار، فقط لأن أهالي القرية تصدوا لعربدة المستوطنين، ليتلقى هذا القائد شكر المستوطنين وتقديرهم على فعلته. هذا يعني ان الفلسطيني عليه فقط تلقي الضربات، الموت، الهجرة، الانصياع لبرنامج الابادة الجماعية والتهجير العرقي، ليفسح المجال للمحتل الاحلالي ليجلس مكانه. 

نحن على بعد عدة اسابيع من موسم قطف الزيتون، وهي شجرة يعتمد عليه المزارع الفلسطيني من اجل تعزيز وجوده وصموده على ارضه، ومنذ سنوات دئب المستوطنون على مهاجمة المزارعين الفلسطينين في موسم الحصاد ، ويسرقون محصولهم، ويمنعونهم من قطف الزيتون وبحماية من الجيش الاسرائيلي. ويعمل كثيرا المستوطنون في عربدتهم على خلع هذه الاشجار، او تكسير اغصانها او قصها بالمنشار. واليوم ياتي قرار الجيش في حادثة فريدة في التاريخ لقلع تلك الاشجار ، والتي بعض منها عمره الافتراضي اطول من عمر الاحتلال بالاف السنين.


في غزة إبادة جماعية ومجاعة حتى الموت، وفي الضفة عربدة للمستوطنين بهدف التهجير العرقي . إنه مخطط متكامل الأركان له تبعياته على الاقليم ، فهو  لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يزعزع أيضاً الأمن القومي الأردني والمصري. استمرار العمل في هذا المخطط له تبعات خطيرة، وما زلنا لا نعلم أي أساليب قمعية أخرى قد يقدم عليها في سبيل تنفيذ مخططاته ، وينفذها الاحتلال لتصيب الفلسطينيين في مقتل. 

 من الواضح أن هناك تياراً جارفا يعمل وفق أجندة ممنهجة لتنفيذ ما يجري على الأرض. ولا يمكن بأي حال عزل ما يحدث في غزة عما يجري في الضفة، وإن اختلف الأسلوب فالهدف واحد: الإبادة الجماعية والتهجير العرقي وتفريغ الأرض من سكانها، انه احتلال احلالي.


لقد اعترفت الأمم المتحدة بالمجاعة في غزة، وبالتالي أقر العالم بوجود مجاعة في غزة، رغم إنكار الجانب الإسرائيلي. فإسرائيل في حصارها على الفلسطينيين تحتسب السعرات الحرارية للفرد في المواد الغذائية التي تدخل غزة، وهي لا تصل فعلياً إلى المواطنين. علماً أن ما يدخل القطاع لا يتعدى عشرات الشاحنات يومياً، بينما يحتاج القطاع إلى ألف شاحنة غذاء يومياً. ومن هنا، بات الاعتراف بالإبادة الجماعية ضرورة إنسانية وأخلاقية، لعل ذلك يسهم في وقف هذه الحرب اللعينة. إنكارها يعني استمرار الجريمة، ويجعل العالم شريكاً فيها بصمته.


انها ليست مجرد حرب عابرة، بل جريمة متكاملة الأركان تشهد عليها المجاعة والإبادة والتدمير والتهجير وعربدة المستوطنين. إن صمت العالم عنها ، يضفي عليها شرعية ضمنية ويشجع على استمرارها. ومن هنا، فإن الواجب الإنساني والأخلاقي يقتضي من المجتمع الدولي، ومن كل مؤسسات العدالة والضمير الحي، أن يضع حداً لهذا الانهيار القيمي، وأن يعترف بالنكبة الفلسطينية ، وبالإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني كما اعترف من قبل بالهولوكوست.

فالعدالة لا تجزأ، والإنسانية لا تقاس بموازين السياسة والمصالح. ومن يتنكر لهذه الحقيقة إنما يشارك في الجريمة، ويكتب صفحة سوداء في تاريخ البشرية ستظل وصمة عار لا تمحى.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف يواجه الفلسطيني محو الهوية؟ : استراتيجية البقاء الفلسطيني.

النظام العالمي الجديد: رمال متحركة لا ثوابت فيها وعمادها المصالح

سفينة لا تنكسر: في وداع عام واستقبال وطن وشعب من الرماد يعود