“من الإدانة إلى الضغط: كيف يُعاد تعريف كلفة الاحتلال الإسرائيلي المرفه؟
“من الإدانة إلى الضغط: كيف يُعاد تعريف كلفة الاحتلال الإسرائيلي المرفه؟
بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸
26.8.2025
————————————————
بينما تتوالى بيانات الإدانة والاستنكار التي اعتادت إسرائيل على تجاهلها بسبب الجرائم والانتهاكات التي يقوم به الاحتلال . يبقى السؤال الأهم: ما الذي يمكن أن يغيّر سلوك الاحتلال فعلًا؟ التجربة تثبت أن لغة المصالح والضغط الاقتصادي والسياسي أعمق أثرا من كل بيانات التنديد. فمن النرويج إلى حركة المقاطعة BDS، برزت نماذج عملية تؤكد أن الاحتلال، مهما بدا متغطرسا، يمكن أن يكبل حين تتغير حساباته ومصالحه.
تمضي إسرائيل قدمًا في الانتهاكات وفي توغلها العسكري والاستيطاني في قطاع غزة والضفة الغربية. فهي لا تأبه ولا تقيم وزنًا لردود الفعل على العدوان المستمر من بيانات الإدانة والاستنكار كأقصى ردة فعل على العدوان الإسرائيلي وتوجهاته ضد الشعب الفلسطيني أو في أي مكان آخر. هذه الردود التي اعتاد عليها الإسرائيليون، والتي لا تخرج عن المألوف، هي أدوات دبلوماسية تُستخدم بين المهذّبين، وفي السياسة هناك دبلوماسية ولكن مكان فيها للاخلاق بقدر منطق القوة والمصالح.
أدوات الضغط المؤثرة كثيرة، فليس المطلوب استنفار الجيوش من أجل عمليات الردع إطلاقًا، لأن لغة المصالح اليوم أكثر تأثيرًا من النزاعات المسلحة، وتقدّم نتائج أفضل بكثير من الحروب وغيرها من أدوات العنف. على سبيل المثال، أقدم اليوم الصندوق النرويجي للاستثمار، وهو من أكبر الصناديق في العالم، على سحب استثماراته من شركة “كاتربيلر” الأميركية وخمسة بنوك “إسرائيلية”، استنادًا إلى اعتبارات أخلاقية تتعلق بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفق التقارير.
فقد أكد مجلس الأخلاقيات التابع للصندوق أن منتجات “كاتربيلر”، وخاصة الجرافات، استُخدمت من قبل السلطات “الإسرائيلية” في عمليات هدم غير قانونية وواسعة النطاق للممتلكات الفلسطينية في غزة والضفة الغربية، دون أن تتخذ الشركة أي إجراءات لمنع هذا الاستخدام. وأوضح المجلس أيضًا أن البنوك الإسرائيلية لعبت دورًا محوريًا في الإبقاء على المستوطنات “الإسرائيلية”، عبر تقديم خدمات مالية أساسية مكّنت المستوطنين من بناء مساكن في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية، في مخالفة واضحة للقانون الدولي.
هذا الصندوق يلتزم بمعايير أخلاقية صارمة أقرّها البرلمان النرويجي، تفرض استبعاد أي شركة يثبت تورطها في انتهاكات حقوقية أو أنشطة مرتبطة بالنزاعات المسلحة. هذه أدوات مؤثرة في السياسة العالمية. والعالم العربي والإسلامي لديه الكثير من هذه الأدوات التي يمكنه توظيفها. وهناك أيضًا المقاطعة التي تخوضها حركة BDS، وهي مثال آخر وجلي على التأثير في السياسات العالمية، وبسبب نشاط هذه المؤسسة التي حققت نجاحا كبيرا في الاسواق العالمية، ضد منتجات المستوطنات، فان حربا خفية تدور تقودها اسرائيل ضدها.
الاحتلال الإسرائيلي هو الأكثر ترفيهًا بين القوى الاستعمارية في العالم. كلفة الاحتلال “المرفّه”، التي ما زلنا ندفع ثمنها عاليًا، جعلته يرى أنه قادر على الاستمرار إلى الأبد مع الشعب الفلسطيني والتعايش معه دون اي حقوق سياسية. ما زال هذا الاحتلال ينعم برفاهية، فيما المطلوب أن نستغني نحن عن هذا الترف لنقاوم وجوده ومؤثراته ، حتى لا يرى أن وجوده على الأرض الفلسطينية يمنحه تقديرًا عاليًا يساوي الخمس نجوم، فيبدو كأنه المفضل بين الحكم العربي الفلسطيني على هذه الأرض.
إن أدوات الضغط المتاحة عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، إذا ما استُخدمت بوعي واستراتيجية، قادرة على تقليص هامش المناورة أمام الاحتلال، وتحويل استمرار عدوانه إلى عبء ثقيل لا ميزة. إن وقف شلال الدم في غزة والضفة لن يتحقق ببيانات الإدانة، بل بفرض وقائع اقتصادية وسياسية تعيد تعريف كلفة الاحتلال. فالعالم، الذي يقيس سياساته بموازين المصالح، سيتعامل مع إسرائيل بميزان مختلف حين تصبح هذه الكلفة أعلى من قدرة الاحتلال على تحملها. وعندها فقط، تبدأ موازين القوة في التبدل، ويُفتح الباب أمام حل عادل ينهي المأساة الفلسطينية المستمرة.

تعليقات
إرسال تعليق