“ثقافة التطبيع مع الجريمة بين الهواية والعادة، وتمرس الجنود على العنف فيها شيطنة الاخر وتصبح نمط حياة، وتصدع قيمي”
“ثقافة التطبيع مع الجريمة بين الهواية والعادة، وتمرس الجنود على العنف فيها شيطنة الاخر وتصبح نمط حياة، وتصدع قيمي
https://www.falestinona.com/flst/Art/215592#gsc.tab=0
بقلم: مروان سلطان. فلسطين
23.5.2025
————————-
في خضم العدوان المستمر على قطاع غزة والضفة الغربية، تتكشف أمام أعين العالم مظاهر مروعة من العنف الممنهج، والذي يبدو أنه لم يعد مجرد أوامر عسكرية بل أصبح، في بعض الحالات، نمط حياة لدى الجنود الإسرائيليين. هذا الانزلاق نحو ممارسة العنف كهواية، وتحوّل القتل إلى “مهارة مكتسبة”، هو أمر يتجاوز حدود السياسة والعقيدة ليقع في صلب الكارثة الإنسانية.
لم يعد من الغريب أن نشاهد عبر عدسات الصحفيين أو هواتف الضحايا، جنودًا يضحكون ويقهقهون ، ويرسلون بصور الجريمة الى ذويهم واحبائهم واصدقائهم أثناء عمليات الهدم، أو يلتقطون صور “السيلفي” أمام منازل مدمرة، أو حتى يتفاخرون بما يعتبرونه “نجاحات ميدانية” في قنص أطفال أو قصف مدارس. هذه الممارسات، التي يتم تداولها كجزء من سردية عسكرية تحت عنوان “حرب على الإرهاب”، تكشف عن تصدع أخلاقي خطير يضرب في عمق المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية اهم اسبابه هو التثقيف العسكري السلبي الذي ينشئ عليه الجنود ، وما يتلقاه من تعليم في المدارس مبني على الكراهية ، وشيطنة الاخر.
أن هذا السلوك الذي لا يُقابل بالمحاسبة، بل غالبًا ما يُكافأ أو يُسوَّق كجزء من “النجاعة الأمنية”، في تجاهل تام للمواثيق الدولية التي تحظر استهداف المدنيين، لا سيما الأطفال، وتعتبر التهجير القسري وتدمير الممتلكات جرائم حرب. بل إن كثيرًا من الضباط يترقّون في الرتب بعد مشاركتهم في هذه “العمليات”، وكأنما العنف أصبح سُلّمًا وظيفيًا في بنية الاحتلال.
السؤال الذي يفرض نفسه، هو كيف يمكن أن تتحول الجريمة إلى عادة؟ وكيف يصير التعذيب والقتل والتدمير أشبه بتمارين اعتيادية يمارسها الجنود بروح “شيطانية”؟ الإجابة، وإن كانت مؤلمة، تكمن في ثقافة التطبيع مع الجريمة، وفي الرواية الإسرائيلية التي تجرّد الفلسطيني من إنسانيته، لتبرّر كل انتهاك بحقه باعتباره “إجراءً أمنياً مشروعاً”.
الاحتلال لا يُشوّه فقط حياة الفلسطينيين، بل يشوّه أيضًا النفوس التي تمارسه. الجنود الذين يُدرَّبون على أن يروا في الطفل هدفًا، وفي البيت المأهول “وكرًا للإرهاب”، يصبحون، على المدى البعيد، سجناء في آلة قتل لا ترحم. والمجتمع الذي يحتضنهم ويصمت على أفعالهم، هو مجتمع ينخره السقوط الأخلاقي تدريجياً، ويتطلب محاكاة الجانب الاخر هو الدور التعليمي والثقافي الذي يتلقاه الاسرائيلي في الحياة العامة وعبر سنوات طويلة من التعليم والتدريب.
المأساة ليست فقط فيما يُرتكب من جرائم، بل في اعتياد ارتكابها، في أن يصبح قصف مدرسة أو استهداف سيارة إسعاف مجرد رقم في ملخص يومي يُذاع على شاشات الأخبار. ما يحدث في فلسطين اليوم لا يمكن فهمه إلا باعتباره مشروع إبادة بطيء، يُنفَّذ بدم بارد، وتحت غطاء قانوني مزعوم.
إن مسؤولية العالم ليست فقط في الإدانة، بل في كسر هذا الاعتياد، في فضح هذه “الروح الشيطانية” الزائفة التي يُمارس بها القتل، وفي التذكير المستمر بأن الفلسطينيين ليسوا أهدافًا، بل بشر، أطفالهم يحبون كما يحب أطفال الآخرين، وبيوتهم تضجّ بالحياة قبل أن يُحوّلها القصف إلى ركام.

تعليقات
إرسال تعليق