“ترميم الإنسان الفلسطيني: معركة الوعي في زمن إدارة الألم".
“ترميم الإنسان الفلسطيني: معركة الوعي في زمن إدارة الألم".
بقلم: مروان سلطان
فلسطين 🇵🇸
27.1.2026
—————————————————
في ظل واقعنا المعاصر، وما يمر به شعبنا الفلسطيني من ظروف متراكمة ومركبة شديدة التعقيد، تتعكر فيها صفو الحياة في كل ركن وزاوية، وتنعدم معها سبل العيش، وتزداد صعوبة الحياة وكدرها، بفعل الحرب التي يشنها الاحتلال على الشعب الفلسطيني، وما تسببه من ضيق في العيش، وتشرد، ونزوح، وحصار، وبرد، حتى فقد الإنسان الفلسطيني ما يأمنه، وما يسد جوعه. في فلسطين، لا يمكن فصل معركة التحرر عن معركة ترميم الإنسان. فالاحتلال يدرك أن كسر الوعي يسبق كسر الجغرافيا، وأن الإنسان المنهك، فاقد المعنى، أسهل إخضاعا من إنسان يعرف لماذا يتألم وإلى أين يتجه.
بات من الضروري اليوم أن نعيد ترتيب أولوياتنا من جديد، وأن نضع الإنسان الفلسطيني في صدارة المشهد؛ من أجل البقاء، كخيار واع، ومن أجل صمود يحمي الكرامة، لا يختبر القدرة على الاحتمال، ومن أجل ألا ينكسر الإنسان الفلسطيني وهو يواجه زمنا مثقلا بالاثقال.
فالعمل الجمعي لا يبدأ بالشعارات، بل بالاتفاق على سرديتنا الفلسطينية وحقنا التاريخي، وبالاعتراف بحق الاختلاف، وبإعادة بناء الحد الأدنى من الإحساس بالمصير المشترك، ذلك الخيط الرفيع الذي يمنع المجتمع من التفكك، ويحفظ له اتجاهه ومعناه.
لم نعد نرغب في ترديد وإعادة ما الذي يحدث في فلسطين، وكيف يحدث، ولماذا يُدار الألم، وكيف تُرتكب الفظائع؛ لأن ما يجري يُسمع ويُرى يوميا، وفي كل لحظة، عبر المرئيات والمسموعات والفضاء الرقمي الذي وسم القرن الحادي والعشرين، نتيجة همجية طالت البشر والشجر والحجر في الشأن الفلسطيني. والاسباب معلنة ومعروفة ليست مجهولة. وبات قول شاعرنا الكبير محمود درويش وصفا دقيقا للحالة التي آلت إليها الأوضاع في فلسطين: "وكل شيء فيك يزداد سوءا يا وطني”.
الاحتلال لا يدير الأرض فقط، بل يدير الألم. فهو لا يسعى إلى قتل الجسد وحسب، بل إلى تطبيع القهر حتى يصبح روتينا ، وتفتيت المعنى بحيث يفقد الفلسطيني تفسيره لما يحدث ، وإنهاك الوعي عبر تكرار الصدمات دون أفق ، ودفع الإنسان إلى النجاة الفردية الذي يقود الى التهجير الطوعي بالفعل القسري، وغياب الفعل الجمعي.
حين يفقد الفلسطيني البوصلة، فهذا ليس فشلا ذاتيا، بل هو نتيجة هندسة مقصودة ، هندسة الإحباط، والتشكيك بالذات، واستنزاف القدرة على التخيل. وهنا، لا شيء أهم من الإنسان الفلسطيني، فهو عماد الجغرافيا والديموغرافيا. إن كسر الإنسان الفلسطيني وإذلاله هو أخطر ما نواجهه اليوم.
كيف نعيد للفلسطيني كرامته، وإنسانيته، وثقته بنفسه؟
إنه واجب يقتضي أن نضع له مساره، ونعزز من توجهاته.
ولهذا، ومن أجل إعادة الترميم ، فهذا يتطلب تضافر الجهود الخالصة والبناءة للتغلب على كل ما يعيق هذا الهدف وتحقيقه ، وعلى رأس الأولويات، استعادة الوعي والإدراك بكل ما يحدث. فالترميم الحقيقي يبدأ من استعادة الوعي الهادئ، وأن يبقى الفلسطيني مدركا للأسباب الكامنة وراء هجوم الاحتلال على أبناء الشعب الفلسطيني، مع إبقاء مؤشر البوصلة موجها نحو الهدف.
إن التخلص من هذا الاحتلال يجب أن يبقى مشرعا وواضحا؛ فطالما بقي الاحتلال، استمر الألم واستمرت المعاناة، لأننا ندور في فلك إدارة الألم حتى فقدان الوعي.
وهنا يصبح من الضروري استبدال رواية الضعف وحالة الانكسار برواية وطنية حقيقية: ما نعيشه ليس هزيمة، بل استنزاف طويل الأمد في معركة غير متكافئة، يمتلك فيها العدو كل الأدوات والخيارات اللازمة لتحقيق أهدافه.
الاحتلال يريد للفلسطيني أن يحزن وفق إيقاعه، وأن يغضب وفق سقفه، وأن يصرخ ثم يعود إلى الصمت. ولهذا فإن الوعي يتطلب كسر هذه الدائرة، وفك الارتباط مع منظومة إدارة الألم، من خلال: تحويل الألم إلى معنى ، والفقد إلى ذاكرة واعية ، والخسارة إلى سؤال سياسي وأخلاقي، لا إلى شلل.
إن استعادة البوصلة في زمن الانكسار تتطلب جهدا جمعيا واعيا، وإدراكا عميقا لقيمة الإنسان، وفهما واضحا للهدف الذي يسوقه الاحتلال في صناعة الألم. وهنا يصبح الصمود قيمة للحياة نفسها، قبل أن يكون قيمة بطولية في زمن جائر.
فالاعتراف بالانكسار ليس نهاية الطريق، بل بداية جديدة لاستعادة الاعتبار، وللإيمان بأن هناك ما يستحق العيش من أجله. من هنا، فإن استعادة الإنسان الفلسطيني، بوعيه وكرامته وثقته بنفسه، ليست ترفا فكريا ولا خطابا أخلاقيا، بل شرطا ضروريا لأي فعل وطني قادر على الاستمرار.
فحين يُرمم الإنسان، تستعيد القضية معناها، وتستعيد البوصلة اتجاهها، ويصبح الصمود فعلا واعيا للحياة، لا مجرد احتمال للبقاء.

تعليقات
إرسال تعليق