ما بين التكنولوجيا والأيديولوجيا: حين تنتصر المعرفة ويهزم الوهم

 ما بين التكنولوجيا والأيديولوجيا: حين تنتصر المعرفة ويهزم الوهم

بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

28.12.2025

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


يعيش العالم اليوم في عصر تحكمه التكنولوجيا، حيث لم تعد القوة تُقاس بعدد الجنود ولا بحجم الشعارات، بل بامتلاك المعرفة والقدرة على توظيفها في ميادين الاقتصاد والسياسة والأمن. ففي زمن الثورة الرقمية والفضاء السيبراني، تتسابق الدول لامتلاك أدوات التفوق التكنولوجي، باعتبارها مفتاح السيطرة والنفوذ في عالم تحكمه الخوارزميات قبل البنادق.


في المقابل، ما زالت قوى أخرى تراهن على الأيديولوجيا بوصفها طريقًا للنصر، وتغذّي أتباعها بوهم أن الإيمان وحده كفيل بتغيير موازين القوى. غير أن الواقع يكشف عكس ذلك؛ فالعالم الرقمي لا يعترف بالشعارات، ولا يُقيم وزنًا للخطابات العاطفية، بل يعمل بمنطق بارد قائم على المعرفة والبيانات والدقة. هكذا تُستدرج الأيديولوجيات إلى معارك غير متكافئة، تُخاض بعقلية الماضي في ساحة تحكمها أدوات المستقبل.


لقد لعبت التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، دورًا حاسمًا في الحروب الحديثة، ولا سيما في الحرب على غزة. فقد تحولت التقنيات الرقمية إلى أدوات قتل عالية الكفاءة، قادرة على تعقّب الأفراد من خلال الصور والأصوات وأنماط الحركة، وتحويل الإنسان إلى “هدف رقمي” يُصنَّف ويُلاحق ويُصفّى بضغطة زر. في هذا السياق، لم يعد القتل نتيجة مواجهة مباشرة، بل نتاج منظومة تقنية تُدار عن بُعد، ببرود كامل وانعدام لأي بعد إنساني.


وإذا كان للمقاومة مكانها المشروع في مسار التحرر الوطني، فإن لكل مرحلة أدواتها. فالمقاومة التي تُبنى على أيديولوجيا مغلقة، وتُغذّى بخطاب تعبوي منفصل عن معادلات القوة الحقيقية، تجد نفسها عاجزة أمام خصم يمتلك العلم والتكنولوجيا. لقد أثبتت التجارب، في غزة ولبنان، أن امتلاك الإيمان وحده لا يكفي، وأن غياب المعرفة التقنية يجعل الكلفة البشرية باهظة، والنتائج كارثية.


ومع ذلك، لا يمكن التقليل من دور الأيديولوجيا في بناء القيم والهوية والانتماء؛ فهي عنصر أساسي في تشكيل الوعي الجمعي. غير أن وظيفتها تتوقف عند هذا الحد. فالتكنولوجيا لا تعترف بالقيم ولا بالأخلاق، بل بمنطق الكفاءة والفعالية. إنها الأداة التي تعيد رسم موازين القوة، وتحدد من يملك القرار ومن يُفرض عليه الواقع.


من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مراجعة عميقة في الوعي الفلسطيني، لا للتخلي عن القيم، بل لتحريرها من العجز. فامتلاك القيم دون امتلاك أدوات القوة لا يصنع انتصارًا، كما أن الاكتفاء بالدعاء دون امتلاك المعرفة لا يحمي الإنسان ولا يصون وجوده. إن التوازن بين الوعي الأخلاقي والتفوق التكنولوجي هو الشرط الأساسي للبقاء، وهو الطريق الوحيد لاستعادة القدرة على الفعل في عالم لا يرحم الضعفاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

الرئيس ترامب يزيل اللثام عن قضية الجثامين المحتجزة ويجب استغلالها لاعادة دفنها، كرامة للانسانية ، من اجل ان ينام الشهداء قريري العين. بقلم مروان سلطان فلسطين 🇵🇸