موطئ قدم إسرائيلي في إفريقيا والقرن الإفريقي: قراءة في التحولات الجيوسياسية

 موطئ قدم إسرائيلي في إفريقيا والقرن الإفريقي: قراءة في التحولات الجيوسياسية

بقلم مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

29.12.2025

—————————————————


ترتبط العلاقات الإسرائيلية الدولية ارتباطًا وثيقًا بتعزيز أمن إسرائيل أولًا، وتحقيق مصالحها السياسية والاستراتيجية، وتُعدّ القارة الإفريقية إحدى أهم الساحات التي ترى فيها إسرائيل مجالًا حيويًا لخدمة أهدافها بعيدة المدى. فقد سعت منذ عقود إلى توسيع حضورها في إفريقيا عبر بوابة التعاون الدولي، مستفيدة من هشاشة الأوضاع السياسية والاقتصادية في عدد من دولها، ومن الفراغ الذي تركه الخصوم فيها.


وتنظر إسرائيل إلى القارة الإفريقية بوصفها امتدادًا استراتيجيًا لأمنها القومي، لكونها تتحكم بممرات مائية حيوية، وتجاور مناطق ذات أهمية جيوسياسية كبرى. ولذلك، حرصت على ترسيخ حضورها في هذه القارة، باعتبارها ما يشبه “الحديقة الخلفية” التي تتيح لها التأثير غير المباشر في محيطها الإقليمي. ويبرز اهتمامها الخاص بالقرن الإفريقي، لما يمثله من عقدة جغرافية تربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وما يوفره من قدرة على التأثير في توازنات إقليمية تمس دولًا محورية مثل مصر ، المملكة العربية السعودية ، والسودان واليمن، بل وتمتد تداعياتها إلى إيران أيضًا.


إن النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا والقرن الإفريقي يُعد جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تُعاد صياغتها بهدوء وبأدوات متعددة. فهو يقوم على ما يمكن تسميته بـ”التموضع الذكي” داخل الفراغات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعاني منها دول المنطقة. وتنظر إسرائيل إلى القرن الإفريقي بوصفه مجالًا حيويًا لتعزيز أمنها القومي، ولا سيما في ظل تحكمه بممرات بحرية استراتيجية مثل البحر الأحمر وباب المندب. ومن هذا المنطلق، سعت إلى بناء شراكات أمنية واستخباراتية مع عدد من دول المنطقة، مستفيدة من هشاشة البنى الأمنية المحلية وحاجة هذه الدول إلى التدريب والدعم التكنولوجي.


ويُعد القرن الإفريقي ساحة ملائمة للعمل الاستخباري الإسرائيلي، سواء لمراقبة التحركات الإقليمية أو لمواجهة خصوم محتملين، خاصة في ظل تشابك المصالح الدولية وتزايد التنافس على النفوذ في هذه الجغرافيا الحساسة. كما تقدم إسرائيل نفسها شريكًا في مجالات الزراعة المتقدمة، وإدارة الموارد المائية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحديثة، بما يتيح لها بناء نفوذ طويل الأمد قائم على التبعية التقنية والاقتصادية.


ومن خلال هذه القطاعات، تعمل إسرائيل على إنشاء شبكة أمنية ممتدة، تُمكّنها من توسيع نطاق الردع خارج حدودها، وتوفر لها فضاءات جغرافية قد تُستخدم في التأثير على التوازنات الإقليمية، وربما في إعادة تشكيل بعض الأنظمة السياسية في المنطقة.


وفي السياق ذاته، تسعى إسرائيل عبر هذا التمدد إلى كسر العزلة السياسية التي واجهتها تاريخيًا داخل القارة الإفريقية، وإعادة بناء شبكة تحالفات فقدتها منذ سبعينيات القرن الماضي، بما يخدم مواقفها داخل المحافل الدولية، ولا سيما في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. ويُذكر في هذا الإطار أن إسرائيل كانت من أبرز الداعمين لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا خلال حقبة سابقة، وهو ما يعكس طبيعة تحالفاتها القائمة على المصالح لا القيم.


كما أسهمت إسرائيل، وفق معطيات متعددة، في دعم انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم، وساهمت في بناء شبكات الاتصالات والبنى التحتية الأمنية فيه، بما مهّد لولادة كيان جديد يرتبط بها بعلاقات استراتيجية. وفي السياق ذاته، تُعد من أبرز الداعمين لإثيوبيا في مشروع سد النهضة، الذي يستهلك كميات هائلة من مياه النيل، ويثير خلافًا حادًا مع كل من مصر والسودان، مهددًا أمنهما المائي، ومفتحًا الباب أمام توترات إقليمية قد تتطور إلى صدامات أوسع.


أما في ما يتعلق بمنطقة القرن الإفريقي، فإن الحديث عن اعتراف إسرائيلي محتمل بما يُعرف بـ”أرض الصومال” يندرج ضمن سعي تل أبيب إلى ترسيخ موطئ قدم استراتيجي يطل على مضيق باب المندب، بما يوفر لها قدرة أكبر على التحكم في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، إضافة إلى إنشاء قواعد استخباراتية متقدمة تخدم أهدافها الأمنية في مواجهة خصومها الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران واليمن. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذا التوجه قد يُستخدم أيضًا في سياقات تتعلق بملفات حساسة، من بينها مشاريع تهجير محتملة، ما يمنح هذا التمدد بعدًا بالغ الخطورة.


وخلاصة القول، إن النفوذ الإسرائيلي في القرن الإفريقي لا يمكن قراءته بوصفه حضورًا عابرًا أو تعاونًا تقنيًا محضًا، بل هو عملية إعادة هندسة شاملة للنفوذ في الإقليم، تُنفذ عبر أدوات ناعمة، وتُغلف بخطاب التنمية والشراكة، فيما تخدم في جوهرها أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى، تمس الأمن الإقليمي والعربي برمّته.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

الرئيس ترامب يزيل اللثام عن قضية الجثامين المحتجزة ويجب استغلالها لاعادة دفنها، كرامة للانسانية ، من اجل ان ينام الشهداء قريري العين. بقلم مروان سلطان فلسطين 🇵🇸