الضفة الغربية بين رقصة الظلين: الحكومة الاسرائيلية والمستوطنين تهجير وفرض واقع جديد

الضفة الغربية بين رقصة الظلين: الحكومة الاسرائيلية والمستوطنين  تهجير وفرض واقع جديد

بقلم مروان سلطان.      فلسطين 🇵🇸

28.11.2025

————————————————


الدور المزدوج بين المستوطنين والحكومة الإسرائيلية لم يعد مجرد تبادل أدوار عابر، بل تحوّل إلى بنية سياسية–ميدانية متشابكة تُدار بمنطق “رقصة الظلّين”: طرف يتحرك في العلن، وطرف آخر يهيئ المسرح من الخلف. وفي هذا السياق، صادرت الحكومة خلال الشهر الحالي نحو 1800 دونم من أراضي سبسطية الأثرية، في خطوة تكشف كيف تتداخل أدوات السلطة الرسمية مع ضغط المستوطنين الميداني لتغيير الواقع على الأرض، وإعادة صياغة الجغرافيا بما يخدم مشروع الضم المتدرج.


في الميدان، تتجلى العلاقة بين الحكومة والمستوطنين كرقصة ظلين؛ لا يلتقيان علنا، ولا يفترقان حقيقة. كل حركة يقوم بها احدهما تلقي بظلها على الآخر، كأنهما يؤديان عرضا متقنا: المستوطن يضرب، والحكومة تشرعن، ثم يتبادلان الخطوات دون ان ينكشف من يقود الرقصة فعلا. ان ادارة ملف الضم لعبة سياسية تدار بمنتهى الذكاء من خلال تبادل الادوار بين الحكومة الاسرائيلية والمستوطنين في ما يجري بالضفة الغربية.


يقول الكاتب الصحفي والمختص بالشان الاسرائيلي محمد دراغمة في وصفه لما يحدث في طوباس: “محافظة طوباس والاغوار الشمالية بين فكي كماشة مكوناتها جيش الاحتلال من جهة والمستوطنون من الجهة الاخرى”. المستوطنون يسيجون الاراضي ويضيقون الخناق على المزارعين ومربي الثروة الحيوانية لتهجيرهم، بينما يفضل جيش الاحتلال منطقة الاغوار، ويمنع الوصول اليها عبر الحواجز والحد من الحركة، واصدار اوامر المصادرة ووضع اليد على مساحات واسعة من الاراضي بذريعة الامن، بينما حقيقة الامر انها لخدمة المستوطنين.


وما يحدث في طوباس هو ذاته الذي يحصل في الضفة الغربية كاملة، اذ يتبادل الطرفان، الحكومة والمستوطنون، رقصة الظلين معا في سبيل ضم الضفة الغربية. لقد جعلت اسرائيل عمليات المستوطنين في الضفة الغربية موضوعا لكبح جماحهم، بعد ان اصبح ما يقومون به حديث العالم، بينما تقوم هي بما هو اخطر من خلال اوامر المصادرة، ووضع اليد، وتحويل الاراضي الى ما يسمى “اراض حكومية اميرية”، من خلال تحويل الانظار نحو المستوطنين بينما الحكومة تعمل على الضم الزاحف الهادئ.


خلال شهر اكتوبر شهدت الضفة الغربية سلسلة اعتداءات واسعة نفذها المستوطنون، تخللها حرق ممتلكات، واقتلاع اشجار زيتون، ومصادرة محاصيل للمزارعين، والاعتداء على منشآت زراعية. واستطاعت الحكومة، اثناء انشغال العالم بعنف المستوطنين، ان تنفذ عمليات مصادرة بعيدا عن الاعين، بينما كل التركيز الدولي كان موجها نحو المجموعات الاستيطانية.


وقد تم تسجيل نحو 16 نقطة تفتيش يديرها المستوطنون في محيط نابلس والخليل. كما ادى نشاطهم المستمر الى تهجير خمس تجمعات رعوية صغيرة من سكانها، ومنع المزارعين من الوصول الى نحو 9000 دونم من الاراضي الزراعية.


المستوطنون اليوم في الضفة الغربية يتحركون كقوة موازية للجيش الاسرائيلي، ضمن تنسيق واضح: الجيش يغطي والمستوطنون يتقدمون. وعندما يجبر الفلسطيني على النزوح من ارضه، تتقدم الحكومة لتعلن تلك الاراضي “اراض حكومية” وتخضع للمصادرة. مشهد يذكر برقصات الهنود الحمر عندما كانوا يهاجمون مناطق البيض، ويأخذون منها الاسرى والغنائم.


لقد بلغت مجموع المصادرات خلال الشهر قرابة 5300 دونم (5.3 كيلومتر مربع)، وهو اعلى معدل شهري لمصادرة الممتلكات الفلسطينية. وتشمل قرارات المصادرة والاعلان عن “اراضي دولة” لشهر نوفمبر 2025 ما يلي:

1. شمال الاغوار – قرب فصايل والجفتلك: اعلان 2200 دونم “اراضي دولة”.

2. جنوب الخليل – محيط مستوطنة سوسيا: مصادرة 1150 دونم بذريعة “تحديث السجلات”.

3. القدس – امتداد مستوطنة معاليه ادوميم: اعلان 930 دونم لصالح مشروع E1.

4. رام الله – منطقة عين سامية وجبل الطويل: مصادرة 680 دونم، بعضها حول الى مناطق تدريب عسكري.

5. نابلس – محيط مستوطنتي ايتمار والون موريه: مصادرة فعلية عبر اوامر اغلاق تشمل نحو 400 دونم.

6. سبسطية – مصادرة 1800 دونم من الاراضي الاثرية.


هكذا تتكرر المعادلة: ضغط ميداني من المستوطنين، يعقبه تثبيت قانوني من الحكومة، في رقصة تتداخل فيها الظلال حتى يصعب التمييز بين من يقود المشهد ومن يتبعه.


 المتابع لما يجري في الضفة الغربية يدرك ان المشهد لم يعد مجرد اعتداءات متفرقة او قرارات مصادرة منفصلة، بل تحول الى منهج تعمل فيه الحكومة والمستوطنون بخطوات متكاملة، كل طرف يعزز الآخر ويمنحه الغطاء الذي يحتاجه. ومع كل منطقة يجرى تفريغها من سكانها، وكل دونم يجري وضع اليد عليه، يتضح ان الرقصة ليست عشوائية، بل حركة ممنهجة تهدف الى اعادة تشكيل الخرائط وتغيير معالم الارض. وفي ظل انشغال العالم بالحرب وارتداداتها، تستفيد اسرائيل من غياب الرقابة لتعميق واقع جديد، واقع يقوم على تلاشي الوجود الفلسطيني من مساحات واسعة، وفرض امر واقع لا يمكن التراجع عنه لاحقا. هكذا تستمر رقصة الظلين، رقصة لا تحتاج الى قائد ظاهر، لان اهدافها معلنة، ونتائجها تتجسد على الارض يوما بعد يوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الرئيس ابو مازن كال الصاع صاعين لنتنياهو في محاولة منعه زيارة سوريا ، والزيارة تمت وفق الوقت والاهداف المرسومة. بقلم مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

ليس تبريرا ولكن حزنا وكمدا على غزة واهلها كانت كلمات الرئيس عباس الى حماس بفلم الكاتب مروان سلطان. فلسطين 🇵🇸

الرئيس ترامب يزيل اللثام عن قضية الجثامين المحتجزة ويجب استغلالها لاعادة دفنها، كرامة للانسانية ، من اجل ان ينام الشهداء قريري العين. بقلم مروان سلطان فلسطين 🇵🇸