الخوارزميات القاتلة: كيف شارك الذكاء الاصطناعي في حرب الإبادة على غزة؟

الخوارزميات القاتلة: كيف شارك الذكاء الاصطناعي في حرب الإبادة على غزة؟

https://www.falestinona.com/flst/Art/215722#gsc.tab=0

بقلم: مروان سلطان – فلسطين 🇵🇸

26.5.2025

————————

مع ظهور الذكاء الاصطناعي، لم يعد البشر هم من يقررون من يُستهدف ليموت، أو أيّ الأماكن تُدَمَّر أو تُترَك قائمة. إنها الخوارزميات التي استخدمها الجيش الإسرائيلي بفعالية كبيرة، وأدت إلى شبه دمار شامل وأعداد مهولة من الشهداء والجرحى. لقد ظهر الذكاء الاصطناعي كطرف خفي لكنه حاسم، يدير المعركة بصمت، ويصدر أوامر القتل في ثوانٍ، غالبًا دون تدخل بشري فعلي.

ما الذي حصل في قطاع غزة؟

وفق صحيفة الجارديان البريطانية، طوّر الجيش الإسرائيلي منظومة ذكاء اصطناعي تُدعى “لافندر”، وظيفتها الأساسية هي تحديد “الأهداف البشرية”. تُغذّى الخوارزمية ببيانات ضخمة: مكالمات، صور، مواقع، علاقات اجتماعية، وسلوكيات رقمية.

استنادًا إلى هذه المدخلات، تُصنّف الأنظمة الأشخاص ضمن خانة “الهدف المشروع”، ثم يُحال الاسم إلى قائمة انتظار للموت. في ذروة القصف، أشارت المصادر إلى أن “عشرات الآلاف من الأسماء” مرّت عبر هذه المنظومة، أحيانًا بمعدل أكثر من 100 هدف في اليوم الواحد.

مصادر عسكرية اعترفت بأن نسبة الخطأ المقبولة في هذه العمليات كانت عالية، وأن كثيرًا من الأهداف لم يُراجعها بشر قبل تنفيذ القصف، بل تم التنفيذ مباشرةً اعتمادًا على “ثقة النظام بالخوارزمية”.

عدا عن ذلك، طوّر الجيش نظامًا آخر يُدعى “حبسورا”، يُستخدم لتحديد مواقع الهجمات بدقة، من خلال دمج بيانات من مصادر مختلفة.

كل شخص في غزة، كما يُعتقد، أصبح "ملفًا رقميًا" يُحدّث باستمرار: تحركاته، زياراته، اتصالاته، بل وحتى نمط نومه واستخدامه للهاتف. ووفقًا لهذا التقييم الرقمي، يُمنح كل فرد “درجة خطر”، وعلى أساسها تقرر الآلة ما إذا كان مستهدفًا أم لا.

الذكاء الاصطناعي يوظّف تقنيات متقدمة في تحليل الصور والتعرف على الوجوه لتحديد الأشخاص في الفيديوهات أو الصور الجوية. وفي حالات أخرى، يتم تحليل بصمة الصوت من المكالمات أو التسجيلات لتمييز هوية المتحدث.

بسبب ما يمكن تسميته “التساهل الأخلاقي”، أدى الاستخدام الكثيف لهذه الأدوات إلى تحوّل المدنيين إلى أهداف بناءً على قرائن ظرفية أو اشتباه. كثيرون ممن قُتلوا لم يكونوا “مقاتلين”، بل مجرد أقارب أو جيران لمن اعتبرتهم الخوارزمية أهدافًا .  الجيش الإسرائيلي استخدم هذه الأنظمة لاغتيال أفراد حتى وإن كان بجوارهم 20 أو 30 فردًا من عائلاتهم، دون أي رادع أو شعور بالذنب، على اعتبار أن المهمة تستحق “الأضرار الجانبية”. وهذا سبب كافٍ لارتفاع أعداد الشهداء من المدنيين، من الأطفال والنساء وكبار السن.

القتل في غزة كما ورد من شهادات الجنود والساسة الاسرائيليون انه أصبح عادة، وهواية، وتسلية، ومعه غابت المسؤولية. فعندما يُقتل طفل أو امرأة أو عائلة كاملة، يكون الجواب أن “الخوارزمية حدّدتهم كأهداف”. لا يُعرف من قرر، ولا كيف تم التصنيف، ولا لماذا وقع الاختيار عليهم.

في ظل هذا الواقع، فإن الحرب لم تعد فقط بين جيش ومقاومة، بل بين منظومة خوارزميات وسكان، بين أجهزة حوسبة وسجلّات حياة. الاحتلال لم يعد يحتاج إلى معرفة من يقاتل، بل فقط إلى نمط رقمي يطابق “البروفايل الخطر”.  ما يحدث في غزة هو مختبر للتجارب، تُنفَّذ فيه السياسات والتقنيات والأسلحة، لاستخلاص النتائج بعد الانتهاء، دون أي اعتبار لما يحدث للبشر. إنها ليست فقط حربًا عسكرية، بل تجريب لأخطر أنواع الحروب المستقبلية.

الذكاء الاصطناعي أصبح أداة قتل جماعي، تديره دولة تحتل، وتختبر قدراته في ميدان مفتوح، لا قانون فيه ولا محاسبة. في غزة، لا تُطلق النار فقط من فوهات البنادق، بل من سطور برمجية ومصفوفات حسابية. القاتل لم يعد جنديًا يحمل بندقية، بل خوارزمية لا وجه لها، ولا ضمير. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أن يتحول الموت إلى عملية خوارزمية مبرمجة، تُدار من غرف مكيفة خلف الشاشات، وتُبرر بلغة باردة من “التحليل” و”الكفاءة” و”الذكاء”.

ما نشهده ليس فقط تطورًا في أدوات الحرب، بل سقوطا أخلاقيًا خطيرًا، حيث تُمحى الفوارق بين الجندي والمدني، بين المقاتل والطفل، بين الحياة والمعادلة.

إذا لم يُواجه هذا الاستخدام غير المقيد للذكاء الاصطناعي بالمحاسبة والضوابط، فإن ما جرى في غزة قد يتحول إلى نموذج عالمي لحروب قادمة، تُخاض بلا رحمة، ولا تترك وراءها سوى الأنقاض والبيانات المحطّمة.  الذكاء الاصطناعي ليس بريئًا. من يبرمجه هو من يختار القتل، والصمت أمام هذه الجرائم هو تواطؤ مع الجريمة ذاتها.

تعليقات