“يُقتل الساميون الحقيقيون على يد من يدّعي السامية”

“يُقتل الساميون الحقيقيون على يد من يدّعي السامية”

https://www.falestinona.com/flst/Art/215623#gsc.tab=0


بقلم: مروان سلطان

فلسطين 🇵🇸 | 24 أيار/مايو 2025


من سخرية القدر ، أن تُرتكب أبشع الجرائم ضد شعب عربي أصيل – شعب فلسطين، صاحب الأرض والحضارة والتاريخ – بينما يُوصم كل من يتضامن معه بأنه “معادٍ للسامية”. لم تعد هذه المفارقة مجرد تلاعب بالمصطلحات، بل أصبحت سياسة ممنهجة تسعى لقلب الحقائق وتزييف التاريخ، خدمةً لمشروع استعماري عنصري يتوارى خلف مظلومية تاريخية.

لقد تحوّل مصطلح “معاداة السامية” خلال العقود الأخيرة إلى سلاح أيديولوجي يُستخدم لإسكات الأصوات الحرة وتجريم المواقف الأخلاقية والإنسانية التي تقف في وجه الاحتلال الإسرائيلي. حتى التظاهرات السلمية في العواصم الأوروبية، التي نددت بالإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة، وُصفت بأنها “تحريض معادٍ للسامية”. وسارعت حكومات غربية إلى ترديد هذه التهمة، وكأن التضامن مع الفلسطينيين بات مرادفًا للكراهية العرقية.

ولكن، قبل أن نُدان أو نُدافع، لا بد أن نعود إلى الجذور: من هم الساميون أصلًا؟ وهل كل يهودي يُعد ساميًا؟ وهل كل من ينتقد إسرائيل يُعد بالضرورة معاديًا للسامية؟

تُجمع المصادر التاريخية والأنثروبولوجية على أن الساميين هم الشعوب التي تنحدر من سام بن نوح عليه السلام، وهم العرب أساسًا، الذين استوطنوا الجزيرة العربية، وبلاد الرافدين، وبلاد الشام، بما في ذلك فلسطين. وقد شمل هذا التصنيف شعوبًا متعددة الديانات – من يهود ومسيحيين ومسلمين – لكن العامل المشترك بينهم لم يكن الدين، بل الأصل العرقي والثقافي واللغوي.


وفي المقابل، فإن غالبية اليهود اليوم – خاصة من الأشكناز في أوروبا وأمريكا – لا ينحدرون من سام، بل من يافث بن نوح، حسب المصادر الدينية والأنساب. وبعضهم، كالخزر، اعتنقوا اليهودية في مراحل لاحقة من التاريخ، دون أن يكونوا من نسل سام. وهو ما يؤكده الحديث النبوي الشريف:

«سامٌ أبو العرب، وحامٌ أبو الحبَش، ويافث أبو الروم».

بناء على ذلك، فإن اختزال “السامية” في “اليهودية” – كما تفعل الصهيونية السياسية – هو تشويه للتاريخ، واحتكار لمظلومية لم يعد يحتملها الواقع السياسي. والأسوأ من ذلك، أن تُستخدم هذه المظلومية لتبرير الاضطهاد الممنهج لشعب عربي سامي الأصل، يُعاقب لأنه لا يقبل بالاحتلال والتهجير ونزع الهوية.

لقد جرى تفريغ مصطلح “السامية” من معناه التاريخي والأنثروبولوجي، وتحويله إلى سلاح سياسي للتنكيل بالمعارضين. أصبح الدفاع عن الفلسطينيين تهمة، وانتقاد سياسات إسرائيل وصمة، ورفض الاستيطان والفصل العنصري مرادفًا لإنكار المحرقة!

إن من يُقتلون اليوم، ويُهجّرون، وتُسرق أراضيهم، ويُتهمون بالعدوان، هم الساميون الحقيقيون. أما من يرتكب هذه الجرائم، فإنه يفعلها باسم “حماية السامية”، في مفارقة تاريخية وأخلاقية لا مثيل لها.

لا أحد ينكر فظائع الهولوكوست ضد اليهود في أوروبا. لكن هذه المأساة تحوّلت اليوم إلى رخصة سياسية مفتوحة، توظفها الكيان الصهيوني لتبرير استعمار استيطاني، وقتل جماعي، وتشريد ممنهج. باتت “ذاكرة السامية” تُستدعى لإسكات أي صوت حر يرفض الجريمة، ويقف مع الضحية. والحقيقة المؤلمة هي أن الفلسطيني – العربي السامي – هو من يُذبح اليوم في وضح النهار، فيما يتفرّج العالم خائفًا من تهمة جاهزة: “معاداة السامية”.

نحن لا نخوض فقط صراعًا على الأرض، بل صراعًا على التاريخ والمعنى والهوية. لقد أصبح من يُذبح هو الفلسطيني السامي، ومن يقتل باسم السامية هو الجلاد. أصبح المطلوب أن تتنازل عن حقك، عن لغتك، عن ذاكرتك، لتُثبت أنك “غير معادٍ للسامية”.

تعليقات